لم يختلف الناس في العالم العربي على سياسي وصاحب قضية كما اختلفوا على الرئيس ياسر عرفات، وقد عزز ذلك الاختلاف مجموعة المواقف السياسية، التي لا تعد ولا تحصى التي مرت بها القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني ومواقف عرفات خلال اكثر من ثلاثة عقود من الزمن. وبرغم ذلك فما من سياسي اليوم أشد تأييداً وكسباً للرأي العام وتعاطفاً معه مثل الرئيس عرفات، لما يمر به من موقف لا اظن مواطناً عربياً او رئيساً يمكن ان يجد نفسه فيه، فهذا الرجل الذي حلق بطائرته اكثر مما استمتع بساعات النوم، والذي استقبل في كل مطارات الدنيا استقبال المناضلين وكبار الرؤساء، هذا الرجل هو اليوم محاصر مجوع مهدد بالموت في كل لحظة، فمن يحتمل؟ ولا نتمنى له مكروهاً، لكننا لا نتمنى له موتاً برصاصة حقير صهيوني كما يخطط لذلك ارييل شارون، نحن نتمنى له ان يبقى رمزاً لقضيته كما كان ولشعبه كما اختار، لكننا نسأل الله له الثبات الاكيد او حسن الخاتمة وبأن يهبه الله الشهادة التي تمناها، فتلك خير خاتمة لحياة مناضل كعرفات، ذلك أشرف ألف مرة من رصاصة طائشة او وثيقة استسلام، او طائرة مروحية رئاسية تنقله الى القاهرة كما اقترح السيد الرئيس مبارك! عرفات لم يكتسب كل هذا التعاطف والتأييد لأنه رئيس عادي، بل لانه رمز لقضية حق غير عادية ولأنه صامد في مكانه حيث الموت له بالمرصاد في كل زاوية وفي كل مكان، برغم الاصوات التي تقول بأنه يعلم بأن شيئاً لن يمسه وبأن الصهاينة لن يقتلوه، ذلك صحيح حسب بعض التصريحات، ولكن منذ متى كان للصهاينة عهد او امان، ثم ان عرفات رجل في اواخر العمر وصحته لا تحتمل كل هذه المهانة التي يعرضه لها الجيش الاسرائيلي أمام العالم أجمع، وقضيته التي يفعل به كل ذلك لاجلها تستحق تعاطف الدنيا، فما بالنا بمواقف العرب الرسمية التي اصبحت وصمة عار في جبين البشرية؟ لذلك فنحن نسأل سؤالاً منطقياً جداً ومتداولاً: على من سيكون الدور بعد عرفات؟ بمعنى اخر اذا شطب عرفات من القائمة فأي رئيس سيطبق عليه نفس السيناريو الامريكي ـ الصهيوني؟ علينا ان ندرك بأنه لا عزيز لدى الصهاينة، ولا صديق لدى الامريكان، وحكاية شاه ايران لم تنسها الذاكرة، وغيره من رؤساء امريكا الجنوبية من اصدقاء امريكا السابقين نعرف جميعاً كيف انتهى مصيرهم وعلى يد امريكا نفسها! ان عرفات ليس هو القضية، عرفات رمز لكرامة امة يصفعها الصهاينة كل لحظة، وتقف امريكا معهم في هذه الاهانات بقوة وعزيمة، ومع ذلك فنحن نباركهم ونعاهدهم ونصادقهم ونمد اليهم ايدينا، فالى متى؟ سؤال ضاقت به صدورنا وقلوبنا: اين مواقف العواصم العربية الكبرى؟ اين قرارات المقاطعة؟ اين قرارات قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني وسحب السفراء ووقف كافة اشكال التطبيع؟ اين الموقف العربي الرسمي حتى في اضعف اشكاله؟ ليس حباً في عرفات ولكن دفاعاً عن كرامة امة تنتهك على الهواء مباشرة كل لحظة!