اختفى الجزر من أسواقنا. ولم يكن في ذلك مفاجأة لأحد، فالطلب على الجزر لم يتوقف وبقي على أشده منذ سنوات طوال.. تقريباً منذ أواخر السبعينيات. والسبب ويا للعجب أننا نحتاج منه الكثير لنصدّره إلى جارتنا العزيزة إسرائيل. الجزر الذي أقصده هنا هو الذي يشكّل شطراً من معادلة نعرفها جميعاً، شطرها الآخر هو العصا. لكننا وفرنا الشطر الثاني لأغراض أخرى، بينما أخذنا نقدم جزرنا جزرة وراء جزرة لأقذر أصناف البشر ـ الصهاينة الذين فاقوا النازيين والفاشيين وكل قائمة الهمجيين بسنوات ضوئية في شهوة الشر. قدمنا الجزر أطباقاً في فاس فكان الرد ضرب لبنان، ثم تكررت العروض في مدريد وأوسلو.. في شرم الشيخ وطابا.. في القاهرة وفي عمّان. قدمناها ومعها الكثير من الزيتون وأغصانه، فكان الرد كسر الأيدي الممدودة تارة وقطعها تارة أخرى. أما الزيتون فقد أحرقوا كل بساتينه. ولم يكتفوا بذلك بل أحرقوا الأرض حتى لا تنبت الزيتون أبداً. لكن ماذا عنا؟ أما نحن أدمنّا الجبن فصار كل حياتنا. بل أصبح عشقنا وديدننا. ألم نثاقل جميعاً إلى الأرض بينما نواجه ظرفاً استثنائياً. فلسطين يستباح أقصاها وأقصانا ونحن كتل جامدة. إخواننا في فلسطين برموزهم يُفركون ويُطحنون طحناً ونحن نستمتع بالمشاهدة ولا حراك.. حرب مسعورة من ذئاب البشر بدعم كامل وغطاء شامل وتواطؤ لا يخفى على أحد من الأمريكيين لكننا نُصِرُ على التوسل والاستجداء لنتلقى لطمة جديدة وصفعة موجعة من كولن باول، فكبير الحمائم في الإدارة الأمريكية ـ كما نصوره ـ لا يرى أي خطأ فيما تفعله إسرائيل، بل هي استجابة يراها تكتسي بكامل رداء الشرعية في إطار الدفاع عن النفس في وجه هجمات إرهابية ضد الإسرائيليين المسالمين. هذا هو منطق الحمائم، مع أنه لا فرق بين من نصورهم بالحمائم ومن نضعهم في قائمة الصقور. نُصِرُ على السقوط في نفس الخطأ الذي نرتكبه مع الإسرائيليين. بينما لا فرق البتة بينهم جميعاً، وكلهم في النهاية غربان شؤم يجب ألا نرتجي منهم أو من ورائهم أي خير. المأساة الحقيقية في ذلك الموقف المتخاذل للدول العربية والإسلامية جميعها. لم يرغب أحد في أن يقطع إجازته. وحتى الخطب العنترية لم نعد نسمعها. لم نر أية إجراءات استثنائية في وجه الظرف الاستثنائي الذي عاشه الفلسطينيون وحدهم ويعيشونه حتى الآن. ماذا إذن ننتظر بعدما حدث ويحدث أمام أعين الجميع؟ لم نسمع إلا أصواتاً تختبئ تحت رداء الموضوعية، بينما هي في حقيقتها تتشرب بالانهزامية. فمن خرج ليؤكد أنه لا يمكن القيام إلا بأقل القليل جاءه الرد القاسي ممن يحفظون لنا ما تبقى من قليل كرامة وشرف. ولعل ما قامت به الاستشهادية آيات الأخرس ابنة الثمانية عشر ربيعاً أبلغ رد على من يدعون قلة الحيلة ومحدودية الإمكانيات. كلماتها المتسارعة التي رددتها على مسامعنا بعد أن كانت طارت على أجنحة الملائكة إلى نعيم مقيم لا يزال يهزنا بعنف. وليته يهز كذلك جيوش البؤس العربي. وكأن كلماتها طارت على جناح السرعة ليتردد صداها خلف أبواب موصدة في رحاب الأزهر الشريف، بينما تتوفر خارج المسجد العصا. تلك العصا التي تشكل الجزء الأكبر من المعادلة إياها. وهي العصا التي ادخرناها لنحطم بها رؤوس أهلينا وبني جلدتنا. أكرر وأتساءل وأضم صوتي إلى الأصوات التي ارتجت لها جدران الأزهر.. «واحد.. اتنين.. الجيش العربي فين؟!.. واحد.. اتنين.. الجيش العربي فين؟!».