بحيرة «ليمان» لم تكن الأجواء شاعرية بما فيه الكفاية أو على ذلك النحو الذي اعتدنا أن نقرأ عنه في قصص الحب وقصائد الشعراء. فالمكان لم يكن شاطئاً لازوردياً تتكسر على رماله الناعمة أمواج تخال صوت تكسرِها سيمفونية من سيمفونيات «موزارت» الخالدة. ولم يكن زورقاً مُبحراً وسط نهر تحفّ به الأشجار من كل جانب حتى تخاله لوحة أبدعتها أنامل «دافنشي» البارعة. والشمس لم تكن ترسل أشعتها الذهبية ذات أصيل جميل فتنعكس متراقصة على سطح بحر سكنت أمواجه ورقّ نسيمه. والقمر لم يكن يزين صدر السماء في ليلة صافية تلألأت نجومها مرصعة صفحتها الزرقاء الساحرة. كانت عشرات الأقدام تتحرك حولهما في كل اتجاه، وأصوات السيارات العابرة تغمر المكان بضجيجها في هذه الساعة من النهار وقد تجاوزت عقارب الساعة الثانية عشرة ظهراً، وليس اليوم عطلة في تلك المدينة السويسرية التي ودّعت الصيف واستقبلت الخريف بغيوم متقطعة تحجب الشمس حيناً وتسمح لها بإرسال بعض خيوط ضوئها حيناً معلنة انتهاء فصل وبداية فصل. وعلى طاولة بللتها قطرات الندى ذات صباح خريفي جميل طاب هواؤه، احتل قدحان من القهوة مكانهما في ذلك المقهى الذي نثر طاولاته على رصيف الشارع في مشهد مألوف لمن اعتاد زيارة المدن الأوروبية. يدان تشابكتا في حنان، وعيون أربع تعانقت في لهفة، وقلبان انصهرا في بوتقة واحدة مغادرين صخب المكان، محلقين في عوالم ساحرة لا علاقة لها بما يحدث حولهما.. وسؤال ما زال يحوم حول بحيرة «ليمان»: ترى.. هل يحتاج الحب إلى كل الأجواء الرومانسية المتعارف عليها كي يحضر.. أم أن القدحين وتلك الطاولة المبلولة ورصيف الشارع كافية لتحرك كل مشاعر هذا القلب؟! بين اليقظة والمنام تنكسر المسافات بين حدود الزمن حين تطل عليك قادمة من أعماق صورة رسمتها في خيالك ذات يوم لا تتذكر الآن تاريخه. هل كان ذلك اليوم قبل ألف عام أو هو قريب يخيل إليك أنه ضارب في عمق الزمن؟ ثم تسأل نفسك من أين لك تلك الأعوام التي يخيّل لك أنها قادمة منها؟ تعود مرة أخرى لتتخيلها حورية بعث بها إليك القدر من المستقبل. ولكنك تسأل نفسك أيضاً إن كنت تستحق هذه الجائزة الثمينة. وتبحث في صحيفة أعمالك عن ذلك العمل العظيم الذي تكافأ عليه اليوم. تبحر في كل الأزمان بحثاً عن لحظة توقفت فيها عن التفكير واجترار الذكريات واستحضار صور ليس هذا وقت استحضارها، فتكتشف أن تلك الحلقات لم تعد متصلة، وأنك بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد كي تؤلف بينها، لكنّ هاتفاً يأتيك من جهة ما لا تستطيع تحديدها يدعوك إلى عدم إضاعة الوقت، ويستحثك كي تعيش اللحظة، فكل الذين أجهدوا أنفسهم قبلك في اجترار الماضي ضيعوا حاضرهم، وكل الذين سيجهدون أنفسهم بعدك في محاولة استشراف المستقبل إنما يضيعون على أنفسهم متعة معايشة اللحظة والاستمتاع بها. عندها فقط تتوقف عن التفكير، وتعلم أن ما تحاول أن تفعله ليس أكثر من إعادة لتمثيل أسطورة «سيزيف» وأن تلك الصخرة التي تحاول رفعها لا وجود لها إلاّ في خيالك المرهق، فتخلد إلى الخدر اللذيذ، وتغمض عينيك على صورة حوريتك الجميلة على أمل ألا تفيق من هذا الحلم الجميل.. وعندها فقط لا يصبح للزمن قيمة طالما أنك قابض على الحلم، مطبق أضلاعك على قلب آن له أن يلقي مراسيه في مرفأه الأخير، وأن ينهي رحلة الإبحار بين المرافئ تلك مسدلاً الستار على الفصل الأخير من الرواية الأزلية التي أعيد عرضها ملايين المرات، لتطفأ كل أنوار الصالة، ويلف السكون المكان، وتبحر أنت بين اليقظة والمنام وإحساس لا تدرك كنهه ولا تريد أن تفعل ذلك. عاشقة الورد تُحب الوردْ؟ ونظرتُ إليها.. كالوردةِ تجلسُ في دَعَةٍ في صمتٍ تترقبُ مني الردْ أحِب الوردْ؟ ودنوتُ من الوردةِ: فاتنتي .. هل أملِكُ أي خيارٍ هل أملِكُ أن أكرهَ أو أهوى والوردُ يناديني في لونِ الخدّ؟ تسألُنِي .. أي الأنواعِ أفضّلُ من زهرِ البستانْ الزنبقَ أم ذاكَ الجوري أم الفُل .. ومن أي الألوانْ؟ فأقولُ لعاشقةِ الأزهار: لو جمعوا كُل النوارِ وبدوتِ لجمعِ النظَارِ لسحرتِ الوردَ وعاشقَهُ وَلَبِسْتِ أكاليلَ الغَارِ