وسائل الاعلام المختلفة تحمل الينا المعلومة وما يناقضها أو يكذبها أو يشكك فيها.. يحدث ذلك على الرغم من السيطرة شبه المطلقة للاعلام الغربي، الأمريكي بخاصة على الرسائل الصادرة عن هذه الحالة ومحيطها الاقليمي. لقد اتضح مؤخرا أن هذا الاعلام لم يتوخ النزاهة في اداء وظيفته. وبات من المؤكد، أنه هو ذاته وقع في حبائل الأهداف السياسية والاستراتيجية لبلاده. بحيث انحرف عن جادة الالتزام المهني والأخلاقي نحو مهمات استخبارية ودعائية رخيصة، ويذكر أن الادارة الأمريكية اضطرت الى اغلاق دائرة، ابتدعتها عند بداية الحملة الأفغانية، تتعلق بممارسة التزوير الاعلامي على الطريقة النازية، طريقة جوبلز. ذلك بعد أن ثبت لها أن حبال الكذب قصيرة، وأن العولمة الاعلامية زادتها قصرا! فمع تجدد غارات حركة طالبان وتنظيم القاعدة، على نحو لم يعد من الممكن اخفاؤه أو التمويه عليه، راح الاعلام الغربي يسرب بقدر معلوم انباء عن هذه الأنشطة. لكن هذه العملية الاخبارية المحسوبة كانت كافية للفت الانتباه الى بعض الحقائق التي تتفاعل في الرحاب الأفغانية، ومنها أن ما يجري أكبر من أن يدعى مجرد حملات تمشيط ومطاردة، لفلول شاردة يحسب أعضاؤها بالآحاد أو العشرات من طالبان والقاعدة، أو أن القوات الدولية تتحكم في الأوضاع الأمنية، أو أن القوى المنضوية تحت جناح النظام السابق قد اندحرت الى الأبد!. لو كان ذلك صحيحا، طبقا للمزاعم الأمريكية مثلا، لكانت أخبار أفغانستان تدور حول عمليات الاعمار واعادة البناء والتنمية واصلاح ما أفسده زمن الحروب الخارجية والداخلية، نحن لا نعرف الآن الا النزر اليسير عن مسار هذه العمليات منذ انفضاض مؤتمر طوكيو للدول المانحة. أما الأخبار الأكثر رواجا وشيوعا بالفعل فهي التي تتحدث عن أنشطة طالبان والقاعدة وردود أفعالها العسكرية وغير العسكرية. ومن ذلك بلا حصر: التهديدات التي تتعرض لها حكومة حميد قرضاي، والخلافات الدامية بين الأجنحة العرقية الممثلة في هذه الحكومة. والهجمات التي تحرم القوات الغربية، الأمريكية بالذات، من الاستقرار والانتشار. واستحواذ «فلول المتطرفين» على شبكة متطورة للاتصالات بين عناصرها الذين وصفوا سخرية بسكان الكهوف، بما في ذلك الانترنت والأقمار الاصطناعية. أيضا، تتطرق أخبار أفغانستان السيارة الى الاعجاب الشعبي بالمقاتلين العرب وكراهية الأجانب، لاسيما من الأمريكيين.. واستدعاء مزيد من القوات الغربية رفيعة التخصص والتدريب للمشاركة في عبء القتال، ذلك العبء الذي حال دون توفير مناخ آمن يسمح بعودة الملك المخلوع ظاهر شاه، التي تأجلت الى اشعار آخر! ولماذا نبتعد كثيرا في المتابعة من أجل استكناه الحقيقة، وبين أيدينا نماذج زاعقة على المخاتلة وعدم الاستقامة في عرض الحالة الأفغانية.. ففي غضون الأسابيع القليلة الماضية، كرر الرئيس بوش الابن في أكثر من مداخلة له الاعلان عن «بدء المرحلة الثانية من الحرب ضد الارهاب». ومضى يحفز أعضاء ما يسمى بالتحالف الدولي على الاستمرار في التماسك «بعد النجاحات التي تحققت في أفغانستان..». لم يلاحظ الرئيس الأمريكي وهو يفعل ذلك، التناقض الذي تنطوي عليه تصريحاته مع ما كان يدلي به ويؤكده كبير الصقور في ادارته ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد في الوقت ذاته وبالتكرارية ذاتها. خلاصة ما ذكره رامسفيلد أن «الحملة الأفغانية أبعد ما تكون عن نهايتها. فالمتطرفون يقومون باعداد أنفسهم واعادة تنظيم صفوفهم وبناء قواتهم، والحاق خسائر بشرية بعناصر التحالف، اضافة الى أنهم يحاولون الاطاحة بحكومة كابول وجماعة بون، لاعادة تأسيس ملاذ آمن للارهاب». والواقع أن الأقاويل المتعارضة من هذا القبيل والمنسوبة الى مستويات سياسية وعسكرية واعلامية أدنى مرتبة من بوش ورامسفيلد، لم تتوقف على مدار الحملة. غير أنها زادت كثيرا وصارت أكبر من امكانية مداراتها بالخطاب الدعائي الذي عرفناه وتأثرنا مع الكثيرين به عند بداية الحملة. ويقينا حدث ذلك بفعل صحوة طالبان والقاعدة، وظهور أخطاء الحملة بوتيرة حثيثة. وربما كان من المدهش حقا، أنه حتى عندما أخذ المسئولون الأمريكيون ببعض الاحتياطات، وراحوا يتحسبون «للمفاجآت الأفغانية»، بالحديث عن أن حربهم ضد الارهاب ما زالت في مراحلها الأولى، وأنه من الوارد وقوع بعض ما لم يدخل في حسابات هذه الحرب على الساحة الأفغانية..، فانهم وقعوا أيضا في سقطات تحليلية ظاهرة. ومثال ذلك تصريح بوش حول عدم اهتمامه بمصير اسامة بن لادن، طالما أنه ـ بزعم الرئيس الأمريكي ـ ما عاد قادرا على الفعل الارهابي بعد تحطيم تنظيمه! ومن المعروف أن بوش سبق وأن طلب رأس ابن لادن «حيا أو ميتا».. ولهذا، فقد ينظر الى هذا الموقف الجديد باعتباره اجراء احترازيا من اتهام الحملة الأمريكية بالفشل في تحقيق هذا الهدف الرئاسي. لكن الأهم هو أن معالجة قضية زعيم تنظيم القاعدة على هذا النحو، لا تصمد أمام فقه الجماعات العقائدية المسلحة من شاكلة القاعدة ونظائرها. ففي هذه الجماعات يستقطب الزعماء والقادة الاهتمام المحوري للمسيرة، بصفتهم الملهمين لكل ما يتصل بالفكر والحركة. ويشكل فقدانهم لسبب أو آخر ضربة موجعة، قد تذهب بريح الوجود العضوي للجماعة (التنظيم). هذه ملاحظة لا تخفى على بوش ومستشاريه، ولا يقلل من أهميتها أن يدعي البعض تجاهلها. في كل حال، ثمة مؤشرات كثيرة على أن الجرح الأفغاني ما زال ينزف. ولابد أن القوى الأفغانية وغير الأفغانية المستريبة في خطاب الحملة الأمريكية، بل وفي جدواها ومصيرها، تتكاثر الآن باطراد. بعد استشعار الخديعة باعلام الأزمات (التضليل!) الذي مهد للحملة وواكبها منذ الخريف الماضي، وما ترتب عليه من التعجل في الحكم على مغزى ما سمي بالانتصار السهل لهذه الحملة. ولكن يبقى هناك تساؤل وهو: ما الذي أدى الى استعصاء الحالة الأفغانية على الاستكانة والتطويع الأمريكي؟ نتناول الاجابة عن هذا السؤال في مقال لاحق. ـ كاتب فلسطيني