يجمع المؤرخون على اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم وقياداتهم على اعتبار موقع بلادنا الاسلامية على العموم، وبلاد العرب على وجه الخصوص والارض المقدسة في فلسطين على الاخص، بأنه الموقع الاكثر فرادة وتميزا من غيره من كل بلاد العالم بدون استثناء. ونحن من جهتنا كمسلمين ومن خلال مطالعاتنا لتاريخ المنطقة من جهة وتاريخ نشأة الديانات في العالم من جهة اخرى، نكاد نخلص الى القول بأن هذه البقعة المباركة من الكرة الارضية المتمحورة حول القدس الشريف، هي النقطة التي تنطبق فيها الارض على السماء او هي نقطة التقاء الجنة بالنار! فهي نقطة التقاء اهم البحار واهم القارات، ناهيك عن كونها نقطة انطلاق وظهور وتلاقي الديانات السماوية وظهور التعاليم الربانية عبر العصور وعلى مر الدهور، فمنها خرج سيدنا ابراهيم ابو الانبياء عليه السلام كما تذكر الكتب التاريخية من جنوب العراق مهاجرا بعد ذلك الى ارض كنعان في فلسطين، ومنها بعث موسى عليه السلام، ومن عليها صعد المسيح عليه السلام الى السماء، وفيها ولد محمد صلى الله عليه وسلم وعرج منها كذلك الى السماء، وعلى ارضها دارت اشرس معارك التاريخ البشري وأهمها على الاطلاق، ومن اجل السيطرة عليها او انقاذها كان يأفل نجم حضارة او ينبزغ نجم آخر. نتذكر هذا اليوم بالذات بعد ما آلت اليه الاوضاع في العالم بعد حوادث 11 سبتمبر المروعة، والتي يبدو ان تداعياتها لا تزال تتحكم بمصير العالم كله وان المعركة حولها لن تحسم على ما يبدو، ورغم كل ما حصل او قد يحصل في افغانستان او غيرها، الا حول فلسطين وفوق ارضها. لقد كانت فلسطين دوما وستظل على ما يبدو هي المدحلة وهي المقصلة وهي الجنة وهي النار! فالمتتبع بعناية وتأمل وتعمق لما يصرح به الجزار شارون ومن معه من مجرمي الحرب امثال بيريز ونتانياهو الذي ظهر من جديد في وسائل الاعلام الامريكية لينافس شارون في التطرف والقتل والارهاب، يستطيع الاستنباط بسهولة أن قادة الكيان الاسرائيلي المتعصبين مصممون على الدفع بالولايات المتحدة الامريكية (راعية هذه الدويلة الاولى) الى اعتماد سياسة الربط النهائي لمعركة «مكافحة الارهاب» بالقضاء على كل اثر للمقاومة والمقاومين فوق ارض فلسطين! انهم لم يعودوا يتحملون وبصراحة منقطعة النظير، ياسر عرفات الذي وقع معهم كل الاتفاقيات الثنائية المعروفة باتفاقيات السلام. ويصفونه بكل وضوح وشفافية «بالنافخ في روح الارهاب» ويطالبون بصراحة متزايدة «بالتخلص منه» ويعلنون بصراحة منقطعة النظير بأنهم «اخطأوا في عدم تصفيته في لبنان، في الاولى، كما اخطأوا في الثانية عندما تعهدوا للولايات المتحدة الامريكية «بعدم المساس به» كما ورد في آخر التصريحات الشهيرة لمجرم الحرب شارون لاحدى الصحف الاسرائيلية. لقد لفت نظري فيما لفت من حديث الرئيس بشار الاسد في القمة العربية الموقرة في بيروت حديثه الجديد من نوعه حول مفهوم «الرعاية» الامريكية لعملية السلام التي يطالب فيها العالم العرب لينضموا اليها من أجل اقرارها بين العرب والاسرائيليين. هذا الحديث الجديد من نوعه كما قلت دفعني الى العودة الى بعض الكتيبات القديمة التي كتبت عن موضوع العلاقة بين الامريكيين واليهود عموما، وكذلك الى بعض المجلات العربية التي أرخت لهذه العلاقة حتى وقعت عيني على عدد مجلة الحوادث رقم 888 بتاريخ 16 نوفمبر 1973، والتي نشرت مقاطع مصورة للكلمة الشهيرة التي القاها احد زعماء الاستقلال للولايات المتحدة الامريكية وهو يخاطب شعبه لدى وضع دستور الولايات المتحدة الامريكية عام 1789م، وهي مأخوذة على ما يبدو من وثيقة رسمية محفوظة بمعهد فرانكلين في فيلا دلفيا، يقول بنجامين فرانكلين مخاطبا شعبه: «ايها السادة» في كل ارض حل بها اليهود اطاحوا بالمستوى الخلقي وافسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم، وقد ادى بهم الاضطهاد الى العمل على خنق الشعوب ماليا كما هي الحال في البرتغال واسبانيا و....». الى ان يقول: «اذا لم يبعد هؤلاء من الولايات المتحدة بنص دستورها فإن سيلهم سيتدفق الى الولايات المتحدة في غضون مئة سنة، الى حد يقدرون معه على ان يحكموا شعبنا ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذي بذلنا في سبيله دماءنا وضحينا بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية، ولن تمضي مئتا سنة حتى يكون مصير احفادنا ان يعملوا في الحقول لإطعام اليهود، على حين يظل اليهود في البيوتات المالية يفركون ايديهم مغتبطين». انه كلام معبر لاشك ومليء بالنبوءة وثاقب النظر في قراءة المستقبل رأيت من المناسب اعادة نشره لاطلاع القراء العرب عليه وتذكير من يهمهم الامر من اهل الاختصاص في المفاوضات ليذكروا به صناع القرار الامريكي اليوم لعلنا نسدي من خلاله خدمة لشعب الولايات المتحدة الامريكية وشعوب المنطقة التي تعاني من الانحياز الامريكي المطلق لسياسات تل أبيب الاجرامية المجحفة ليس فقط بحق العرب والمسلمين بل وبحق المصالح القومية للولايات المتحدة الامريكية نفسها. انها لحظة تاريخية عصيبة ينبغي فيها ان نقف متكاتفين لنذكر اطراف المجتمع الدولي المتدفق في وساطاته وتحركاته على منطقتنا وبلادنا وفي مقدمتهم الامريكيين بهذه الرسالة الامريكية المعبرة لأحد زعماء استقلال الولايات المتحدة وبالتاريخ الطويل من الخداع والتضليل الذي مارسته الصهيونية ومارسه ولا يزال الاسرائيليون بحق الكثير من حقائق التاريخ الدامغة بهدف الوصول الى مآربهم المادية الحقيرة والشيطانية على حساب حتى الكثير من الشعوب الاوروبية بل وحتى الاقليات اليهودية المتناثرة هنا وهناك لمصلحة حفنة قليلة من ارباب المال اليهودي وصرافي النقود العاملين الذين تشير بعض اصابع الاتهام اليهم في حوادث الارهاب العالمية الشهيرة وربما حوادث 11 سبتمبر ايضا وان بشكل غير مباشر وغاية في التعقيد والتشابك على اية حال آن الاوان «للراعي» الامريكي المتطوع لعملية السلام ان يتذكر كلمة احد زعماء استقلال بلاده جيدا ليلزم الحياد على الاقل ان لم يستطع ان يجهر بالحق الفلسطيني والعربي وحق المسلمين وألا يتحول الى «اجير» في خدمة اليهود على حد قول فرانكلين. ـ كاتب سياسي ايراني