«اعلان بيروت» قوبل باعلان حرب. خلال اقل من اربع وعشرين ساعة من انفضاض التجمع الاحتفالي للقادة العرب في اجتماع قمة بيروت وصدور بيانهم الختامي، اعلن ارييل شارون على العالم ان ياسر عرفات «عدو» .. وعلى الفور ترجم هذا الحكم الاسرائيلي الى عمل .. فانطلق هدير الدبابات صوب مقر عرفات في رام الله. هذا هو الفارق بين اسرائيل والانظمة العربية. الكلمات لدى اسرائيل تصاغ بغرض تحويلها الى فعل ميداني، بينما ترى الانظمة العربية ان مجرد استكمال بناء لفظي هو في حد ذاته الانجاز المطلوب. في قاعة اجتماع القمة في بيروت وقف الجميع للحظات «باجلال وإكبار» كما ورد في البيان الختامي من قبيل الترحم على ارواح الشهداء الفلسطينيين وتأكيد الدعم الثابت للشعب الفلسطيني بمختلف الاشكال تأييداً لنضاله البطولي المشروع في وجه الاحتلال حتى تتحقق مطالبه العادلة المتمثلة بحق العودة وتقرير المصير وقيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس». ولكي يصل القادة العرب أخيرا الى هذه العبارة الرنانة ذات الوزن البلاغي الثقيل، احتاجوا الى عشرات الساعات التي استغرقتها اجتماعات وزراء الخارجية العرب وحفلت بمناقشات ومعارضات، لكي تنتقل الى مستوى اعلى من المناقشات والمعارضات في اجتماع القادة، قبل ان تجاز العبارة نهائيا. لكنها مع ذلك تبقى كما هي: لبنات لفظية مرصوصة لاتسندها عزيمة او ارادة للفعل. خلال المرحلة المبكرة للانتفاضة الفلسطينية الراهنة ظل القادة العرب يتمسكون بنهج «السلام» كأسلوب مفضل على نهج العنف، وما شجعهم على تبني هذه الذريعة تنائي الرئيس عرفات في تلك المرحلة المبكرة عن النهج الصدامي القتالي الذي اخذت به قيادات فصائل المقاومة، فكانت الحكمة العربية السائدة هي «نحن نريد مايريده عرفات». فماذا يقول القادة العرب الآن؟ للمرة الاولى رد ياسر عرفات على اعلان الحرب الشاملة الصادر عن ارييل شارون باعلان حرب مضادة شاملة. وبهذا الاعلان دق عرفات آخر مسمار في نعش نهج اوسلو التفاوضي العقيم. لقد انتقل المشهد الفلسطيني الآن الى حالة الحرب الصريحة .. حرب يقودها عرفات بنفسه .. فتنضم قوات السلطة الفلسطينية النظامية الى قوات وكوادر فصائل المقاومة الشعبية. الآن ايضا يأتي اختبار مقولة «نحن نريد ما يريده عرفات» فقد حسم عرفات خياراته اخيرا .. وما يريده ويحتاج اليه حقا هو امدادات سلاح منتظمة، فكيف يواجه القادة العرب هذا الاختبار؟ هل يترجمون اعلاناتهم بالتضامن مع ياسر عرفات الى افعال عملية ملموسة على نحو ما يحتاجه رجل قرر ان يخوض غمار حرب؟ ان لهذا الاختبار وجها آخر مكملا له، ان الدول العربية تقول انها ملتزمة بارتباطات صداقتها مع الولايات المتحدة ووجه الاختبار هو ما اذا كانت على استعداد لدعم مقاومة الشعب الفلسطيني بالسلاح، علما بأن الولايات المتحدة تصنف هذه المقاومة تحت بند «الارهاب»، ومن احدث الاخبار في هذا السياق قرار امريكي صدر قبل بضعة ايام فقط بضم «سرايا الاقصى» الجناح العسكري لمنظمة «فتح» التي يرعاها ياسر عرفات الى القائمة الامريكية للمنظمات الارهابية. باعلان اسرائيل الحرب المكشوفة الصريحة ضد الشعب الفلسطيني واستهداف قيادته العليا بالتصفية وقبول الشعب الفلسطيني وقيادته هذا التحدي المصيري، تكون القضية الفلسطينية قد دخلت لتوها مرحلة تاريخية جديدة ـ مرحلة «اما نحن واما هم» من المنظورين الاسرائيلي والفلسطيني معا. وعندما تتوالى تفاعلات هذه الحرب الجسيمة خلال الاسابيع المقبلة فان تداعياتها سوف تنتقل قطعا الى ارجاء الوطن العربي الاخرى على مستوى الشارع. واذا بقيت الانظمة العربية على موقفها الراهن، دون ان تتجاوب مع الحالة القتالية الفلسطينية او فوران الشارع العربي لديها، فان حتمية التطور التاريخي كظاهرة متحركة لن تستثنيها.