القمة العربية الموعودة بدأت وهي (نصف قمة) بغياب معظم القادة والرؤساء العرب. وبعد الغاء ملك الأردن حضوره في أخر لحظة بسبب المرض كما قيل!! والغاء الرئيس المصري حضوره بعد الفشل العربي في تأمين خروج وعودة الرئيس عرفات، وهو الأمر الذي دعاه الى نصح عرفات بعدم الذهاب لبيروت والاكتفاء بتسجيل خطابه وإذاعته في المؤتمر! والقمة العربية الموعودة تحولت الى (ربع قمة) بعد حجب كلمة الرئيس عرفات عن المؤتمر وانسحاب الوفد الفلسطيني احتجاجا. ورغم عودة الوفد بعد ذلك للمشاركة في أعمال المؤتمر، فإن ظلال ماحدث ألقت بثقلها على المؤتمر، وحولته الى امتداد للمأساة التي يعيشها العرب بدلا من أن يكون بابا للأمل في خروج العرب من حالة العجز التي تسيطر عليهم. ان انتقال القمة من أبوظبي حيث كان مقررا إلى بيروت بمبادرة كريمة من دولة الامارات ورئيسها، لم يكن فقط تكريما للبنان ومحاولة لمساندته في الظروف التي يمر بها، ولكنه كان في الاساس تكريما لمبدأ المقاومة المشروعة التي خاضها شعب لبنان بشجاعة وقدم فيها المثال الحي على اننا قادرون على هزيمة الغطرسة الاسرائيلية ودحر عدوان النازيين الجدد.. اذا امتلكنا الارادة ومارسنا حقنا المشروع في المقاومة دون تقديم التنازلات أو الدخول في سراديب المساومات. ومن هنا تأتي الغرابة فيما حدث في بيروت فالقمة - بظروفها ومكان انعقادها وتوقيته - هي قمة المقاومة - أو هكذا كان الأمل، حيث تتعانق مقاومة انتصرت في جنوب لبنان، ومقاومة في طريقها للانتصار على أرض فلسطين، وحيث يتعهد العرب جميعا بالدعم والمساندة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وعرفات - رغم أي شئ - هو رئيس فلسطين، وهو - مع اختلافنا الطويل والمستمر معه حول أوسلو وتوابعها - يخوض الآن معركة صعبة يرفض فيها الشعب الفلسطيني الركوع امام شارون وجنرالاته السفاحين، ويصر فيها الشعب الفلسطيني على المقاومة واستمرار الانتفاضة حتى تحرير الارض واستقلال الدولة. والقمة كلها تنعقد لمواجهة العدوان الوحشي على شعب فلسطين ومطالبة دول العالم - وفي المقدمة أمريكا - بتحمل مسئولياتها والعمل من أجل سلام عادل ينهي الاحتلال ويوقف المذابح ويعيد الحقوق المغتصبة.. وحتى المبادرة السعودية كان المطلوب ان يجري التعامل معها من هذا المنطلق باعتبارها دعما للمقاومة الشجاعة التي يخوضها شعبنا العربي في فلسطين وليست بديلا لها.. ففي هذا فقط تكمن قوة أي مبادرة سياسية عندما تحدد الأفق السياسي للنضال الذي يجري على الأرض، وبشرط أن يكون هذا الأفق ترجمة للحق العربي وليس تخليا عنه. في هذه الظروف، وبعد الملابسات التي منعت عرفات من الحضور لبيروت، ورغم أي خلافات في الرؤى والمواقف معه، فقد كان المفروض أن تكون كلمته الى المؤتمر هي أول كلمة يستمع اليها القادة العرب وقبل أي مسئول آخر، لينقل كلمة الشعب المحاصر في فلسطين الى القادة المحاصرين في قلب بيروت. وإذا كانت هناك عقبات أو مخاوف (تقنية) كما قيل فقد كان الواجب مناقشتها مبكرا واتخاذ قرار يمنع المهزلة التي حدثت.. اما بإتمام الاتصال بعرفات، أو بأن يلقي ممثل فلسطين - أيا كان - كلمة الشعب الصامد قبل الجميع وليكون ذلك اعلانا بدعم العرب لنضال الشعب الفلسطيني، وليكون أيضا مدخلا طبيعيا لمناقشة أوضاع الأمة التي لا ترتبط بشئ قدر ارتباطها بمايجري على أرض فلسطين. وقد حدث ماحدث، وأيا كان المسئول فقد كان الأمر خطيئة لا تغتفر، وحتى بعد الوساطات والمصالحة فقد تركت المهزلة اثارها على المؤتمر ومايصدر عنه، وأخذت كثيرا مما تبقى لدى العرب من مصداقية، والأهم من ذلك كله انها أكدت للشارع العربي اليقين بأن النظام العربي لم يعد قادرا على التعامل مع قضايا المصير، وأن الأمة العربية تستحق قيادة أفضل، ورشدا أكثر، ورؤية أعمق، وجدية لا تعرف الهزل في المواقف المصيرية! ووفقا للتقاليد العربية فقد كان لابد أن يحدث ماحدث في قمة بيروت، وحتى تأتي بعد ذلك النهاية التي حققت أفضل نتيجة يمكن توقعها من القمة التي غاب أكثر من نصف قادتها، خرجت المبادرة السعودية الى النور وتم اقرارها بالاجماع بعد ادخال عدة تعديلات أهمها مايتعلق باللاجئين الفلسطينيين، ثم كان الانجاز الهام بتحقيق اختراق حقيقي في معالجة ماأصبحنا نسميه:الحالة (العراقية - الكويتية)، ثم بقية القرارات المعتادة والتي يبرز فيها اعادة الاعتبار والتأكيد للانتفاضة الفلسطينية بعد ان شهدنا اجتماعات عربية سابقة تتجنب ان تذكر كلمة (الانتفاضة) لسبب أو آخر. بالطبع ليس هذا ماتتمناه الأمة ولا مايتناسب مع امكانياتها، ولكنه، أفضل ما يمكن توقعه من الأوضاع العربية الراهنة.. ويبقى السؤال:وماذا بعد؟! المبادرة التي أصبحت عربية رفضتها اسرائيل على الفور.. وقابلتها واشنطن بإيجابية لأنها ترى فيها ما تعتبره مفيدا.. فهي قد خفضت سقف المطالب العربية، وفتحت الباب لحل يراعي ماوصفه عرفات نفسه قبل ذلك بـ مخاوف اسرائيل الديموجرافية في قضية العودة وانتزعت من العرب تنازلا اضافيا بالاعتراف الجماعي باسرائيل والعلاقات الطبيعية معها في حال التوصل لاتفاق سلام مع سوريا ولبنان والفلسطينيين. ولكن.. إذا كانت المبادرة مرفوضة من اسرائيل.. فلماذا صدرت؟ وكيف سيتصرف العرب؟ لقد صدرت المبادرة لتكون أفقا سياسيا يتحرك فيه العرب، ويحددون لأنفسهم أولا، وللعالم بعد ذلك حدود مطالبهم في هذه المرحلة. لكن المبادرة لن تساوي شيئا اذا لم يتم حشد كل الامكانيات العربية وراءها.. سواء بدعم المقاومة الفلسطينية دعما حقيقيا، ليس فقط بتوفير لقمة العيش للشعب الفلسطيني الصامد، وانما بتوفير كل امكانيات النضال الذي يضع اسرائيل بين خيارين لا ثالث لهما:أما السلام العادل الشامل واما القتال الذي تدفع فيه اسرائيل ثمنا غاليا، والذي لن يتوقف الا بإقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية. بدون المقاومة المتصاعدة لن يكون للمبادرة أي قيمة، وبدون الدعم اللامتناهي لنضال الشعب الفلسطيني لن يصبح لقرارات القمة أي مصداقية، وبدون حشد الامكانيات العربية للضغط على العالم (وأمريكا في المقدمة) فلن يسمع أحد صوتنا. لقد كان المفروض أن تكون المبادرة العربية مصحوبة بالبديل في حالة الرفض. أما وقد صدرت بهذا الشكل، فالخطوة الأساسية الآن تكون في ابلاغ واشنطن بوصفها الدولة الأعظم والحليف الاساسي لاسرائيل أن ما صدر عن القمة هو العرض العربي الاخير، وانه في حالة رفضه واستمرار اسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني واحتلالها للأرض العربية فإن الرد العربي لن يكون المزيد من التنازلات بل هو المقاطعة الشاملة لاسرائيل وقطع كل العلاقات الرسمية السابقة معها، مع مضاعفة الدعم العربي للمقاومة الفلسطينية وفتح جبهات أخرى لممارسة الحق العربي المشروع في مقاومة الاحتلال. أيضا.. فإن الضغوط السياسية والاقتصادية على الولايات المتحدة لا ينبغي ان تتوقف. بما في ذلك سحب لأموال عربية تدعم اقتصاد امريكا، والغاء لصفقات سلاح تعيش عليها صناعة الأسلحة الأمريكية. بهذا وحده تكتسب المبادرة العربية مصداقيتها، وبدون ذلك تتحول الى مجرد ورقة تأخذ منها اسرائيل وأمريكا الاقرار العربي بالتطبيع مع العدو الصهيوني، ثم تترك الباقي لتقرره اسرائيل - بالقوة العسكرية فقط - على الأرض العربية المغتصبة. نفس الشئ على جبهة (الحالة العراقية - الكويتية) فالعناق بين ولي العهد السعودي ونائب الرئيس العراقي لا ينبغي أن يقف الأمر عنده، بل ينبغي أن يكون بداية جديدة لعمل شاق لتحقيق المصالحة المطلوبة بين بغداد والكويت. وإذا كانت معانقة الأمير عبدالله لنائب الرئيس العراقي قد سبقتها جهود طويلة أثمرت قبل ذلك علاقات اقتصادية ومبادلات تجارية جاوزت المليار دولار سنويا وسبقتها مشاورات سياسية ساهمت فيها أطراف عربية كثيرة، فإنها أيضا تجئ في ظروف خطيرة تمر بها المنطقة وتهديدات متصاعدة بعدوان أمريكي جديد على العراق سوف تدفع دول الخليج كلها والدول العربية معها ثمنا فادحا له. إن العناق السعودي العراقي، وبعده مصافحة رئيس وفد الكويت نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية لرئيس الوفد العراقي تضع الجميع امام مسئوليات كبيرة، خاصة ان جهودا كثيرة تبذل لكي تظل الجراح نازفة، ومع الاصرار الأمريكي على ان تكون العراق هي الهدف التالي بعد افغانستان، ومع رأي عام تتم تهيئته منذ فترة على القبول بـ (أفغنة العراق) كما بشرنا بعض العرب سامحهم الله. ولعل السعودية والكويت والعراق أن يكونوا قد اتفقوا خلال القمة على وسائل استمرار المباحثات لانهاء المشاكل المعلقة، ولعل الروح الايجابية التي أبداها الوفد العراقي في القمة واستقبلها الجميع بارتياح وأدت في النهاية الى هذه الخطوات الهامة على طريق المصالحة.. لعلها تكون قرارا نهائيا من الجميع يستشعر الخطر ويقدر المسئولية، وعلى الرأي العام العربي أن يضغط بشدة في هذا الاتجاه حتى يشعر كل طرف أن مايقدمه من تنازلات لاشقائه هي في النهاية مكاسب له. فقد كان من العار أن يجتمع العرب ليعرضوا (تطبيع) العلاقات مع عدو صهيوني ويواصل حتى الآن حرب الابادة ضدهم في فلسطين، بينما يواصلون القطيعة فيما بينهم. وتقودنا قضية العراق الى قضية خطيرة لم تجد العناية الكاملة في قمة بيروت. فالولايات المتحدة تعلن انها ستقوم بالعدوان على العراق لمنعه من امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي تزعم انه يسعى اليها، ولكن الولايات المتحدة ترفض - في الوقت نفسه - أي حديث عربي عن ترسانة الأسلحة النووية التي تملكها اسرائيل ولا عن ملحقاتها من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. بل ان واشنطن تفاجئنا بتسريب أنباء عن خطط اعدتها الولايات المتحدة لاستخدام اسلحتها النووية ضد سبع دول تشمل الدول الثلاث التي اعتبرتها واشنطن (محور الشر) والتي تضم العراق وايران وكوريا الشمالية، وتضم معها أربع دول أخرى هي الصين وروسيا وليبيا وسوريا!! ان ذلك يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على انفراد اسرائيل بامتلاك أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وانها لا تريد أي احتمال لوجود قدرة عربية في هذا المجال. وبدلا من تأييد الطرح العربي الذي يدعو لاعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، تخطط واشنطن لعدوان شامل على العراق لتدميره تدميرا كاملا، وتفتح الباب للحديث عن خطط تعدها لاستخدام الاسلحة الذرية ضد سوريا وليبيا! وقد طالبنا قبل ذلك بأن يكون اقرار اسرائيل بالتخلي عن أسلحتها النووية شرطا لاقرار السلام الشامل في المنطقة، ولا أعرف لماذا أغفل القادة العرب في مبادرة السلام هذا الشرط، ولكن أعرف أن هذه القضية سوف تفرض نفسها على الأوضاع في المنطقة. فكيف يستقيم الوضع في المنطقة حتى لو تم القبول بالمبادرة العربية في ظل هذا الخلل النووي الخطير؟! وكيف يتحقق السلام في ظل انفراد اسرائيل بامتلاك السلاح النووي وفرض الحظر - من جانب أمريكا - على الدول العربية ومنعها من محاولة تحقيق التوازن النووي؟ إن هذه القضية - بجانب السيطرة على موارد العراق البترولية - هي لب التهديد بضرب العراق، بعد ان تهاوت كل الدعاوى الأمريكية عن علاقة العراق بالارهاب أو ارتباطه بأحداث سبتمبر أو تنظيم القاعدة أو طالبان، والآن.. يتم تسريب الانباء عن ضربات نووية محتملة للعراق، ثم لسوريا وليبيا.. فماذا نحن فاعلون؟! ــ قبل أن يجف حبر المبادرة العربية كان الرد الرسمي يأتي من حكومة شارون باعلان جديد للحرب يؤكد هذه المرة انها لن تعرف حدودا ولن تتوقف عند شخص مهما كان، والآن - وأنا أكتب هذه الكلمات - تتحرك الدبابات الاسرائيلية لتطويق مقر عرفات في رام الله ويستعد الجيش الاسرائيلي لاقتحام كل المناطق الفلسطينية واعادة احتلالها، ويبدو الوضع وكأن شارون مصمم على (تكفين) المبادرة العربية بدماء الفلسطينيين وأجسادهم! الحرب الهجمية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ما كانت لتتم الا بموافقة الإرادة الأمريكية ومباركتها، والتي تبدو مصممة - أكثر من أي وقت مضى - على اغلاق الملف الفلسطيني بالشروط الاسرائيلية حتى تتفرغ للمهمة الكبرى القادمة وهي ضرب العراق وتدميره تدميرا كاملا، ثم الالتفات بعد ذلك لسوريا وليبيا وكل من لا يتعظ!! هذا ليس عدوانا على شعب فلسطين الصامد، انه - بعد المبادرة - عدوان على العرب جميعا يبدأ من رام الله على يد شارون ليمتد بعد ذلك الى العراق على يد بوش، والهدف هو اخضاع العرب جميعا والسيطرة على مقدراتهم. كل الرجاء ألا يظن قادتنا العرب أن قرارات بيروت أو بيانات الاستنكار تكفي لردع العدوان، أو يستطيع اطفاء نيران الغضب التي تغلي في عروق ملايين العرب في كل مكان. وكما قلنا في الأسبوع الماضي:وحدها المقاومة لانقاذ الأمة. والباقي كله تفاصيل. فهل تحشد الأمة قوتها في معركة الوجود العربي، وهل توضع كل الامكانيات العربية - وبلا استثناء وبدون تهرب - في خدمة المقاومة التي يجب أن تمتد لحماية كل شبر من الأرض العربية وكل ذرة تبقت في الكرامة العربية. أيها السادة.. ليس عرفات هو المحاصر وحده في رام الله، وليست السلطة الفلسطينية فقط هي التي تتم تصفيتها. إن الأمة العربية كلها تحت الحصار، والنظام العربي بكامله ينتقل من حالة العجز الى حالة التصفية، والعار ينتظر من لا يرفع راية المقاومة لكل هذا الهوان. ـ كاتب مصري