لا يغويني السفر كثيراً برغم فوائده العديدة، فأنا مفتون بالأمكنة. والأمر ذاته يتملكني حين مغادرة البيت الذي اسكنه، لأنني اعتدت عليه كأوراقي وكتبي. ولو هممت بالانتقال من مطرح الى آخر، وقادتني خطاي نحو مطار او ميناء او محطة، انتابني ارتباك لف ملامحي. ولا يعود امري هذا الى خصومة مع الطيران او لخشية من ركوب البحر او رحلة في حافلة. فقد كان بعض الاصدقاء يتوهم ذلك، بعدما طالت فترة غيابي ومكوثي مغتربا اربع سنوات منذ اجازتي السابقة. وحدها، ظروف المهنة تستدعيك للسفر، للاغتراب من الوطن ثم العودة اليه لرؤية الأهل والاحبة والاطمئنان الى احوالهم او تفقد مراتع الصبا. هناك.. تزداد التداعيات، حيث الطائرة تسابق الرياح فوق المشهد السوريالي لجبال الغيوم التائهة، فيما عيناي لم تفارقا تلك المساحات الملونة والمتبدلة تباعاً.. بيضاء ثم زهرية، فرمادية، الى صفراء مؤلفة بين حين وآخر لوحات تشكيلية لا ينتظمها عقل صارم. مرة أرى في ذلك الخضم المتلاطم غابات وسهولا، ومرة ثانية ألحظ فيها وجوها وأطيافا، أرسم ملامحها في مخيلتي لتغدو أكثر وضوحاً، فيظهر بينها القادم من زمن اللحظة، يليه الآتي من ذكريات غابرة. ويتواصل التشكل المدهش في مشهدية متتابعة ومعبرة. فوق تلك السحب الجارية على غير هدي، كانت الطائرة تحلق تمخر الفضاء الازرق الشفيف. لون لم اشهد له مثيلا في حياتي. كانت السماء توحي لنا دائما بلون ملتبس، فنشاهدها رمادية او كحلية وغالباً ما نراها قبة يكتنفها مزيج من الألوان. كأنما انت في عالم من الدهشة لا قرار له. واذ ترى الاشياء من علٍ، نوع من الخيلاء تحس به ترتفع عما كنته قبل برهة، آلاف الاقدام، تواكبك تأملات فضولية في التفاصيل النائية، كأنك امام كتاب مشرعة صفحاته على دوائر ومربعات وخطوط وكلمات وحروف، فيما انت تسعى إلى فك رموزها وادراك كنهها، فلا تصل إلى ما تبتغي. فقط.. شاشة «الكمبيوتر» المثبتة في السقف تشير لك الى المكان الذي بلغته الطائرة. وعليها يظهر جدول ينبئك بالارتفاع ودرجة الحرارة الخارجية وما تبقى من وقت ومسافة الرحلة. وأنت بين السماء والارض يعتريك شعور باللازمان واللامكان. كل شيء فيك متحفز، تسلم الذات لمشيئة القدر، تنظر الى الوجوه تلمح لامبالاتها حينا، ثم تجد حينا آخر ارتباكاً غير مكتمل الملامح. الانتظار وحده سيد الرحلة، انتظار اثناء الاقلاع، واستنفار للحواس خلال التحليق، يعقبهما ترقب وتوق للحظة الهبوط على الارض الأم. وبين هذا وذاك، تزدحم في المخيلة رؤى كثيفة منها ما ينحدر من زمن الطفولة، وبينها ما يتأتى من محطات لاحقة.. الصبا والمراهقة والشباب. ولا ادري ما يفعله بي تغيير المكان، كأن ريحاً تعصف بي وتهزني بعنف ملقية بكياني في اماكن قصية. شعرت بذلك مراراً.. في بلدي حين كنت اغادر القرية الى المدينة للدراسة والعمل، أو الى الجبال البعيدة مع رفاق الزمن الماضي حيث الوقوع في اسر التجربة المرة والآمال التي لا تحد. ولا أنسى حين لفحني ذلك الهواء الدافيء عند باب الطائرة التي حطت بي لأول مرة في ارض اخرى. صدني، فتراجعت بشكل لا شعوري إلى الخلف. مع تغير المكان، استعدت المشهد الآخر بغزارة لافتة، واصبحت الذاكرة اكثر انسيابية، فتداعت الصور واحدة تلو الاخرى، ونهضت احداث من سباتها العميق. وحين رأيت انوار بيروت المتسللة من بين الغيوم، وبريق القرى والبلدات المتكئة على الجبال والسفوح، راح خيالي يسترجع تفاصيل البلاد، ورحت استعيد الاشخاص والأمكنة كما لو كنت الآن بينها إثر سنين غياب..