ما أن اندلعت أعمال العنف ضد بقايا المستعمرين الأوروبيين في زيمبابوي قبل عامين،حتى بادر البعض بالتقليل من أهميتها على اعتبارها شبه قضية مطلبيه لبعض الفلاحين السود، الذين لا يقوون على تحصيل قوت يومهم، وأن هذا الحدث لا يتعدى كونه «زوبعة في فنجان» انطلاقاً من أن بقايا المستوطنين هم من التركة البريطانية التي لا تزال تحظى على المستوى العالمي بأهمية قصوى لعلاقتها المميزة مع الولايات المتحدة دون غيرها، وأن نظام الرئيس روبرت موجابي لا يمكنه الوقوف في وجه الإرادة البريطانية المدعومة أمريكياً. لكن القضية جاءت على عكس كل التكهنات، فقد انتقل الرئيس موجابي من التهديد بمصادرة أملاك المزارعين البيض من دون تعويض، إلى الوقوف لجانب المحاربين القدامى الذين استولوا على مزارع المستوطنين البيض وهذا الموقف حول الاحتجاجات المطلبية إلى ثورة عارمة ضد ممتلكات البيض باتت تنذر إما بمذابح جماعية واسعة بين صفوف البيض، أو تنازلهم عن جزء من ممتلكاتهم التي لا تقدر، واما برحيلهم عن البلاد إلى حيث أتوا. كل المحاولات من قبل بريطانيا، بما في ذلك محاولة حشد دول الكومنولث، الرامية إلى إيجاد حلول مرضية لهذه القضية باءت بالفشل الذريع .وبدا أن ظهر بريطانيا قد أصبح للحائط إزاء هذه القضية، خاصة بعد أن اعترف البنك الدولي الذي فرض برنامجاً للإصلاح الهيكلي في زيمبابوي منذ العام 1991، بأن ثلثي السكان لا يتمتعون بإمكانيات مفتوحة للتطور. .تتميز هذه البلاد بأن الأغلبية من السود فيها تعيش في مناطق ريفية، غالباً ما تكون فقيرة، وقاحلة، وبدون بنية تحتية، وقد فشلت الحكومة التي يقودها موجابي في وقت سابق في تطبيق برنامج إعادة توزيع الأراضي على السكان السود الأصليين، بسبب قلة الموارد المالية الضرورية التي تمكنها من دفع تعويضات للبيض. والمهم بالقضية ليس جملة المسائل الإجرائية المطروحة والآليات التي يجري الحديث عنها لوقف التداعيات الحاصلة في ذلك البلد الأفريقي الذي يئن من وطأة الفقر، بقدر ما أصبح الصراع الجاري ضد المستوطنين البيض ينذر بامتدادها إلى بلدان إفريقية مجاورة، ولعل البلد المرشح بالدرجة الثانية بعد زيمبابوي، هو جنوب إفريقيا، التي عاش سكانها تحت وطأة التمييز العنصري من قبل المستعمرين البيض .وانكشاف موقف الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال مصرة على كنس أوروبا بما في ذلك بريطانيا من هذه القارة، كما فعلت مع فرنسا قبل ذلك عندما كنستها هي الأخرى من كل مناطق نفوذها والتي كان أخرها، من ساحل العاج .ولهذا الأمر بالذات فان هذه البقعة ومحيطها مرشحة بقوة في المرحلة المقبلة لتشهد صراعات حادة قد تودي بحياة الكثير من المستوطنين البيض والسكان الأصليين على حد سواء، ، حتى ولو رضخ البيض لتطبيق قرار توزيع الأراضي، بسبب الأصابع الأمريكية التي تعمل لتأجيج الصراع . في هذه الاجواء واستمرارية تأثيرها على الحياة الاجتماعية جرت الانتخابات الاخيرة، وكما كان متوقعاً حقق الرئيس المخضرم موجابي نصراً ساحقاً خطط له بدقة، ولم يكن تزوير الانتخابات في المناطق الريفية أو طرد بعض المراقبين الاوروبيين أو تقليص أعداد صناديق الاقتراع في المدن الا بعض ذاك المخطط .وبكل تأكيد كان الرئيس روبرت موجابي، وهو يفعل ذلك مستفزاً خصمه النقابي العنيد تسفنجراي، يتوقع رد فعل المجموعة الاوروبية التي تهدد بفرض عقوبات اقتصادية على البلاد، ولكن عينه ظلت مصوبة على الولايات المتحدة الامريكية سعياً للتخفيف من آثار هذه العقوبات . أما بريطانيا وقد فهمت تماما الرسالة الموجهة لها من قبل الولايات المتحدة فانها سارعت الى تشكيل لجنة ثلاثية لتقدير النتائج والدفع بفصل زيمبابوي من الكومنولث وحصارها اقتصادياً، علماً أن كفة القوى داخل هذه المنظمة المتشكلة من مستعمراتها السابقة تميل لصالح الرئيس موجابي، ويرى المراقبون أن أمام بريطانيا طريقاً طويلة لتحقيق هذا الهدف اذا استطاعت اقناع جنوب افريقيا التي تحاول المحافظة على الاستقرار في المنطقة ومنع انفجار الحرب الاهلية في زيمبابوي، حرصاً منها أن لا تمتد الى أرضها . لهذا جاء قرار هذه المنظمة مؤخراً، القرار الخجول بتعليق عضوية زيمبابوي لمدة سنة تأكيداً لذلك. يتفق المراقبون، أن روبرت موجابي وهو يحكم البلاد منذ عشرين عاماً، قادها الى كارثة اقتصادية، ولم تكن خطوته المركبة والمضادة في آن معاً، للمزارعين البيض حباً بشعبه بقدر حرصه، وهو في الثامنة والسبعين من عمره، على استمرار حكمه حتى الموت ذلك أن كل اقتصاد البلاد الزراعي يرتكز على هؤلاء المزارعين ويأتي نقل الملكية أو الاصلاح الزراعي الذي وعد باكماله في دورة حكمه الجديدة تدميراً للانتاج الزراعي الذي تعتمد عليه حياة شعب من الفلاحين، رغم ما يشاع عن أن الخطوات الماضية التي اتخذها موجابي، صبت في جلها بخدمة المزارعين من السكان الاصليين في هذه البلد. فزيمبابوي تملك أكبر نسبة من البطالة بين القوى العاملة في كل افريقيا، ويعيش 60% من شعبها تحت خط الفقر، ورغم حرص رئيسها على الشكل الديموقراطي ارضاءً لبريطانيا وحفاظاً على وجوده في منظمة الكمنولث، يجمع المراقبون على فساد الادارة ونهب الشعب وسحق المعارضة بطرائق خفية، ودفع البلاد الى حكم دكتاتوري صلب وتهميش المؤسسات الديموقراطية، حتى الشكلانية المجوفة منها. روبرت موجابي قاد بلاده الى الاستقلال عن بريطانيا عندما اتخذت الاسم الحالي بديلاً عن «روديسيا»، لكنه وبدعم من بريطانيا ذاتها عمل جاهداً للحفاظ على المصالح البريطانية كل هذا الزمن بما في ذلك الابقاء على ثلثي الاراضي الزراعية الخصبة في أيدي مواطنيها لهذا يتحدث المراقبون عن عملية انتقال باتجاه النفوذ الامريكي، وعن رضوخ من ادارة البلاد لنتائج الصراع بين الاخوة الاعداء، أوروبا وأمريكا، على الساحة الافريقية. مما تقدم يمكننا القول، أن ما جرى ويجري في زيمبابوي هو تعبير افريقي عام، يؤشر على مدى جدية الولايات المتحدة في تطهير القارة الافريقية من بقايا الجيوب الاوروبية، بصرف النظر عن حجم وجدية العلاقة التي تربط هذه الدولة الاوروبية أو تلك مع أمريكا وأنه بات يتأكد أكثر من أي وقت مضى، أن اوروبا قد استسلمت على ما يبدو الى قدرها المحتوم، رغم الصيحات الخجولة تارة، والانتهازية تارة أخرى لاسترضاء الموقف الامريكي في هذه المنطقة أو تلك من العالم . لكن السؤال المحير: هل حقاً ستنسحب أوروبا من أي نزاع مع الولايات المتحدة رغم الخطوات الجائرة التي تتخذ بحقها ؟ أم أنها ستدخل ولو في اطار حلبة الصراع الهادئ معها بهدف الحفاظ على مصالحها التي أصبحت لا تتعدى أحلام العصافير ؟ ـ كاتب فلسطيني