حينما فاز الرئيس الامريكي الجمهوري الحالي جورج بوش في انتخابات الرئاسة الامريكية عام 2000 توقع الكثيرون ان يكون ذلك مقدمة لتطبيق سياسة انعزالية، بحسبان ان الجمهوريين، على عكس الديمقراطيين، يميلون الى تغليب الاهتمام بالسياسات الأمريكية الداخلية، او هذا على الاقل ما اتضح من سلوك الكونجرس ذي الغالبية الجمهورية، في السنوات القليلة الماضية، سواء تجاه الامم المتحدة عبر المطالبة بتقليص مساهمة امريكا فيها وفي عملياتها، او تجاه الدور الامريكي العسكري والسياسي في الخارج عموما والذي الح الجمهوريون ويلحون على ابقائه ضمن الحد الادنى. لكن احداث الحادي عشر من سبتمبر لم تدفع ادارة بوش الى تبديد هذه النظرة فحسب، وانما دفعت بفكرة التدخل في شئون العالم بعيدا في التطبيق، وبصورة لم يسبق لأي ادارة امريكية ان خططت لها او فكرت فيها. وهذا يوضح من جهة اخرى ان سياسات الدول واستراتيجيتها لا ترسم دائما وفق تصور اولي وشامل، وانما بنفس القدر قد ترسمها وتؤثر فيها الاحداث والتطورات المفاجئة كما يوضح الى اي مدى اثرت وستؤثر احداث سبتمبر على الولايات المتحدة وعلى العالم حد سواء. فمنذ اكتوبر الماضي خاضت الولايات المتحدة حربا شرسة في افغانستان وارسلت قوات الى عدة بلدان بينها باكستان والفلبين وطاجيكستان وأوزبكستان وجورجيا واليمن والقائمة قابلة للزيادة، في اطار مكافحة الارهاب، ويجوب عشرات الالاف من الخبراء الامريكيين في مجالات الاستخبارات ومكافحة غسيل الاموال انحاء العالم. ويبدو ان هذه التحركات ليست كافية فالادارة الامريكية تريد احكام المزيد من السيطرة على تحركات عناصر التنظيمات الارهابية الذين تقول انهم ينتشرون في اكثر من ستين بلدا وهناك توقعات بان تمتد العمليات الامريكية السرية منها والعلنية الى المزيد من البلدان. وفي هذا الصدد تتداول بعض وسائل الاعلام انباء عن خطط امريكية لتقسيم العالم الى مناطق عسكرية يكون مسئولا عن كل منها قائد امريكي في وزارة الدفاع «البنتاجون» كما تتضمن تقسيم العمليات العسكرية الى خمس قيادات وظيفية تغطي كل قيادة مجال عمليات معينا من القضاء الى العمليات الخاصة. ويتم ذلك في اطار التوسع في اقامة علاقات عسكرية مع اكبر عدد من دول العالم، لاستخدام قواعدها ومنشآتها العسكرية في حالة الضرورة، وتفيد الانباء ان هذه الخطط التي تعكف وزارة الدفاع الامريكية على دراستها وتقويمها حاليا، سيتم تطبيقها خلال الشهور المقبلة. وبصرف النظر عن مدى دقة هذه الانباء من عدمها، فان الملاحظ مع ذلك انها تأتي في سياق تحول استراتيجي امريكي في النظر الى التعامل مع الاخطار الخارجية التي تتهددها. العنوان العريض لهذا التحول هو الانتقال من سياسة الدفاع الي الهجوم، ومن الاكتفاء بعنصر الردع والتخويف الى مباغتة عناصر الخطر قبل القيام بهجماتها اما تفاصيله فتجد خلفيتها في اسلوب التعامل (الفاشل) مع عدد من الهجمات التي تعرضت لها المصالح الامريكية طوال العقدين الماضيين في عدد من مناطق العالم. وسواء بالنسبة للهجوم الانتحاري على قوات المارينز في لبنان عام 1983 او في الصومال اوائل التسعينيات او تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام اواخر التسعينيات او تفجيرات الظهران والرياض او المدمرة كول في ميناء عدن، والتي اسفرت جميعها عن سقوط مئات الضحايا الامريكيين، فان الولايات المتحدة لم ترد على اي واحدة من هذه الهجمات، وباستثناء القصف الصاروخي على افغانستان في عام 1998، فان دماء الجنود الامريكيين قد ذهبت هدرا. الاهم من ذلك كما يرى بعض المحللين الامريكيين ان سياسة عدم الرد التي اتبعتها الولايات المتحدة قد شجعت العديد من الحركات والجماعات المناهضة على الاستهانة والاستخفاف بالقدرات الامريكية والامل في الافلات من العقاب، حتى وصل الأمر الى ضرب المصالح الامريكية في الداخل. ومن هذه الثغرة جاءت احداث 11 سبتمبر التي اعتقد مدبروها انهم سوف يعاملون كما جرى حتى الآن، حيث تقوم الولايات المتحدة على ابعد تقدير بقصف بعض المناطق التي ينشطون فيها، سيما افغانستان، ببعض الصواريخ البعيدة وفرض المزيد من العقوبات على حركة طالبان وينتهي الامر. لم يدر في خلدهم ان تلك الهجمات سوف تغير جذريا من اسلوب التعاطي الامريكي مع التهديدات الارهابية الخارجية، وبصورة بات لزاما معها على الاستراتيجيين الامريكيين ان يفكروا ليس في حماية المصالح الامريكية في الخارج فحسب، وانما قبل ذلك حماية الداخل الامريكي نفسه الذي اصبح هو الآخر مهددا. فما دام الخطر قد انتقل الى شوارع نيويورك وواشنطن فانه لم يعد مسموحا لامريكا ان تنتظر وقوع الهجمات، وانما عليها ان تبادر بسرعة وحزم لضرب مصادر هذا الخطر في بيئته الاصلية ومكامنه البعيدة. هذا هو الدرس الذي استفادته الولايات المتحدة من احداث 11 سبتمبر ، وهو اصل البذرة التي ولدت منها الاستراتيجية الامريكية الجديدة في العالم. هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تجنيب امريكا هجمات قادمة واعمالا ارهابية مروعة؟ هذا ليس معروفا بعد. لكن ماهو معروف ان الاستراتيجية الجديدة قد غيرت بيئة العالم كلية، والقت بظلالها الكثيفة على السياسة والعلاقات الدولية. وبحيث لا احد يعرف الآن هل يجب ان ينسب السبب فيم حدث لأسامة بن لادن وجماعته التي هاجمت مركز التجارة الدولي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن، ام للسياسة الامريكية (اللينة) التي اتبعت في السابق ضد الهجمات التي تعرضت لها المصالح الامريكية ما جعل احداث 11 سبتمبر ممكنة الوقوع! الاجابة هنا لم تعد مهمة في حد ذاتها، فأيا كان السبب الذي اخرج مارد الامن الامريكي من قمقمه، يظل الاهم هو مايفعله او سيفعله هذا المارد، وفي صلب ذلك ان الولايات المتحدة ستظل مشغولة ومهمومة بادق شئون العالم لعقود مقبلة. ـ كاتب من البحرين