يقول أبو الطيب المتنبي: السيف أصدق إنباءً من الكتبِ في حده الحد بين الجد واللعبِ الكتب هي الخطابات المكتوبة، ولو كان أبو الطيب على قيد الحياة لربما قال مستطردا في الشرح ان في مقدمة «الكتب» العربية التي عناها بقوله البيانات الختامية لاجتماعات القمة العربية.. وآخرها بيان قمة بيروت التي أختتمت الخميس. وبما ان انعقاد القمة تزامن معه تنفيذ عملية استشهادية ضخمة داخل العمق الاسرائيلي قضت في لمح البصر على عشرين اسرائيلياً دفعة واحدة فإنه يصح ان نقول ان عبدالسلام عودة عضو كتائب عز الدين القسام ومنفذ العملية أقام بذلك الحد الفاصل بين الجد واللعب.. جد العمل بالسيف مقابل لعب الخطابات والبيانات اللفظية. ولو كنت ارييل شارون لكان هاجسي الأول والأخير هو كتائب عزالدين القسام واخواتها ـ كتائب الأقصى وسرايا القدس وغيرهما ـ لا مؤتمر قمة بيروت رغم بيانه الختامي المؤلف من نحو ألف كلمة. بيان القمة ينطوي على عرض للسلام موجه الى اسرائيل يقوم على منفعة عادلة للطرفين الاسرائيلي والعربي على حد سواء: أعيدوا لنا الأراضي المحتلة كلها دون نقصان.. وفي المقابل لكم منا الاعتراف الكامل وضمان الأمن والسلام الشامل. لكن رغم هذا العرض العظيم والعادل يبقى «إعلان بيروت» كسابقيه من حيث انه بيان بلا أسنان. فهو لا يقول «اقبلوا العرض وإلا...». ونستطيع ان نتصور دون مبالغة أو تزيد ان أرييل شارون بعد ان فرغ من مطالعة نص البيان التفت الى مساعديه قائلا: «كلام لا جديد فيه»، فالجنرال الاسرائيلي لا يجد في البيان ما يفيد بتهديد جدي من الدول العربية موجه الى اسرائيل أو الولايات المتحدة إذا رفض أي منهما أو كلاهما العرض المطروح. أجل ان البيان يحوي في بعض بنوده عبارات ذات طابع تهديدي.. ولكن قياسا الى ما ورد من عبارات متطابقة تماماً في بيانات القمم السابقة وآخرها قمة عمان العام الماضي لم تطبق اطلاقاً على الصعيد العملي فإنها تفتقر الى أي حد أدنى من المصداقية. من بين العبارات التهديدية في «إعلان بيروت» توعد لاسرائيل بأن الدول العربية ستواصل «الدعم الثابت» للانتفاضة الفلسطينية «بمختلف الأشكال». لكن طالما ان هذا «الدعم» لا يشتمل على امداد المقاومة بالسلاح فإن هذا «التهديد» يبقى كما كان محط استهزاء اسرائيلي. هناك ايضا عبارة تدعو الى الالتزام بـ «التوقف» عن اقامة أية علاقات عربية مع اسرائيل. ومثل هذه الصياغة سيفهمها القادة الاسرائيليون على أساس ان القادة العرب تهيبوا قطع العلاقات القائمة راهناً مع اسرائيل من فرط الحرص على عدم الاقتراب من أي قول أو فعل يمكن ان يغضب واشنطن. وفي سياق العبارة نفسها يدعو الإعلان الى تفعيل نشاط مكتب المقاطعة العربية لاسرائيل، ولن يقرأ أي مواطن عربي هذه العبارة إلا واستذكر ان الحكومات العربية تقاطع مكتب المقاطعة بالتهرب من حضور الاجتماعات التي يدعو الى عقدها. ويبقى السؤال الأكبر الذي لا نجد له اجابة في «إعلان بيروت»: ماذا لو قالت اسرائيل «لا» للعرض الكبير المقدم اليها؟ ويمكن اعادة طرح هذا السؤال بصيغة أخرى: ما هي نقطة انطلاق العمل العربي في هذا الظرف الدقيق؟ هل هي الانتفاضة الفلسطينية أم مبادرة السلام العربية؟ أيهما الأصل وأيهما الفرع؟ بكلمات أخرى: هل تقدم المبادرة كاجراء على الصعيد السياسي بغرض مساعدة المقاومة المسلحة على الصعيد القتالي لانجاز أهدافها العظمى أم انها تعرض بنية التخلص من الانتفاضة والإجهاز عليها؟ ولننتظر لنرى!