حضارة مالحة مثل أواني الفخار يسهل كسرها.. قبابها مقلوبة.. منابرها هشة.. حضارة جافة تعيش في غيبوبة.. صنعت من الدولار والبيتزا وصلصة «الكاتشب» في شطائر «مكدونالدز» أصناما وسجدت لها.. أقامت لكل زعيم سياسي مقاما.. مزارا.. وراحت تلقي بملابس النساء وعناوين الفضائح نذورا في ضريحه.. نصبت لكل رجل دين مشنقة.. استسلمت لعبادة الأحجار.. وقراءة الكف.. والغرائز المحمومة.. لا تفرق بين رجل الدين ونجم السينما ولاعب الكرة ومغن شهير مثل «مايكل جاكسون».. لا تفرق بين الناس والخيول وأكياس الفشار ورقائق البطاطس المحمرة.. بين شيوخ الاسلام وجنود المغول ومدمري الحضارة على طريقة «جنكيز خان». هكذا.. يرى المسلمون في أمريكا.. أمريكا. في يوم 21 نوفمبر عام 1994 كانت واشنطن ترتعش من البرد في ليلة تناثر فيها الثلج مثل القطن المنتوف.. وكأنك تمسك بلحية «سانتا كلوز».. وبدت مصابيح الشوارع وسط الضباب الكثيف مثل أقمار برتقالية شاحبة.. ساهمت في إخفاء المعالم الصريحة للعاصمة الأمريكية.. المسلة الفرعونية.. قبة الكونجرس.. أو الكابيتول.. والبيت الأبيض.. وبدت الشوارع وكأن الناس هجرتها.. في تلك الليلة بدا عبور الطريق الفاصل وقطع مسافة لا تزيد على 50 مترا بين فندق «ويلارد انتركونتيننتال» حيث أقيم ومبنى نادي الصحافة حيث ينتظرني أصدقاء على العشاء، وكأنه مغامرة مؤلمة في القطب الشمالي.. أو الجنوبي.. لا فرق. قبل أن نجد أمامنا قطع اللحم العملاقة كان الصحفي الأمريكي المعروف «ستيفين أمرسون» يبدأ برنامجه عن «الجهاد في أمريكا» في شبكة «PBS» التليفزيونية قبل أن تصبح كلمة «الجهاد» - بعد صواعق النار والدم في 11 سبتمبر - في شهرة كلمة «هامبرجر».. أكثر الكلمات شيوعا في أمريكا.. وكان ما وجدناه على الشاشة أكثر إثارة من الطعام الشهي الذي كان أمامنا.. كانت هناك حناجر صاخبة ولحى نافرة وعيون غاضبة تصرخ وتهدد بنسف حضارة الفسق والعهر وسفك دماء غير المسلمين وتطالب باعلان الجهاد في سبيل الله من البيت الأبيض.. وقال «أمرسون» وقد القى كل شباك صيده في ماء عكر: «إنهم يهدفون الى قتال الكفرة واقامة امبراطورية اسلامية على أرضنا الشاسعة».. وعرض البرنامج أفلاما وثائقي لأحداث ومظاهرات ولقاءات وخطب في مساجد تدعو الى تجنيد الأفراد وجمع الأموال وشراء الأسلحة وتجهيز المتفجرات لتنفيذ مخططات «الجهاد» في داخل وخارج أمريكا. وفي البرنامج اعترف عملاء المخابرات المركزية والمباحث الفيدرالية بأن علاقتهم بالمتطرفين الاسلاميين الذين يعيشون في أمريكا بدأت خلال الحرب الأفغانية وأنهم دربوا نحو 75 ألف شاب مسلم على العمليات الارهابية.. وما ان انتهت هذه الحرب حتى سمح بدخول نحو 12 ألف شاب منهم سمح لهم العمل في 38 مدينة مختلفة.. حيث أنشئت 9 مواقع تدريب.. وأقيمت 13 منظمة تعمل في مجالات الدعوة والتجنيد وجمع الأموال. والمقصود.. أن الأمريكان هم الذين ربوا هذه «الديناصورات» بعد أن استدعوها من أزمنة غابرة ليقاتلوا بها «أعداء الله».. السوفييت «الكفار» في أفغانستان.. ونسوا أنهم أيضا في عرف هذه الجماعات «أعداء الله»... وكذلك حلفاؤهم في الشرق الأوسط.. وقد استيقظوا من غفلتهم أو غفوتهم على أصوات انفجارين وقعا في يوم واحد.. يوم الجمعة 29 فبراير 1993. وكانت المسافة بين الانفجارين تتجاوز آلاف الأميال.. وتتخللها بحور وهضاب وسهول ومحيطات.. كان الانفجار الأول في نيويورك.. في مبنى مركز التجارة العالمي.. وقتل خمسة وأصيب أكثر من ألف شخص.. أما الانفجار الثاني فكان في مقهى بميدان التحرير.. أكبر وأهم ميادين القاهرة.. هو مقهى «وادي النيل».. وراح ضحيته 3 قتلى و31 مصابا.. وكان ذلك دليلا دامغا على أن هناك من يخطط في أشهر المدن الأمريكية.. وهناك من ينفذ في العاصمة المصرية.. وبين جماعة التخطيط وجماعة التنفيذ رسل ورسائل وشفرة وشيكات وخيوط لاسلكية تقرب البعيد وتهز المستقر وتلعب مع الكبار. وراحت أجهزة الأمن الأمريكية تفتش عن الجناة.. ولم يكن من الصعب التوصل اليهم.. فقد سبق أن استعملتهم.. ولا تزال تتعامل مع قادتهم.. ولا تزال تستخدمهم أوراق ضغط سياسية على الدول العربية والاسلامية التي جاءوا منها.. بل أنها رحبت بأبرزهم وأشهرهم.. الشيخ عمر عبدالرحمن.. فتحت له أبواب الدخول على سعتها متجاوزة كل التعليمات والاحتياطات.. فقد تصورته «البديل» القادم في مصر.. تصورته «خوميني» آخر في مصر.. ومن ثم كان عليها أن تحتضنه وترعاه وتقويه وتركز الأضواء عليه فإذا ما قامت الثورة الاسلامية في مصر استمرت الى جواره بعد أن يصبح هو الخليفة حتى لا تتكرر صدمة ما جرى في ايران في عام 1977. وفي اليوم التالي لعرض البرنامج كنت على موعد مع سستر «كوفي».. وهي راهبة درست اللغة التركية في جامعة «ميتشجان» التي حصلت على الدكتوراه منها بعد أن عاشت سنوات في استنبول وبيروت والقاهرة والقدس تدرس وثائق التاريخ الاسلامي وتتعلم اللغة العربية.. وهو ما جعلها مستشارة الرئيس الأمريكي والبيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية فيما يتعلق بشئون الاسلام والمسلمين.. وكنت قد عرفتها وحاورتها في أول رحلة الى أمريكا في عام 1982 ومن ساعتها أصبح العشاء والحوار معها جزءا ثابتا في برنامج أي زيارة أقوم بها الى واشنطن.. وفي ذلك اليوم وجدت «ستيفين أمرسون» ضيفا الى جواري مباشرة على العشاء.. وكانت الضجة التي أثارها برنامجه لا تزال ساخنة.. فكان أن فرضت نفسها على الحوار والطعام الذي كان نباتيا خاليا من اللحوم هذه المرة. كانت شهرة الرجل الصحفية تسبقه.. فهو ينشر مقالاته في أهم الصحف الأمريكية.. «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» و«نيو ريبابليك».. ثم كان أن تحولت شهرته الى نجومية كاسحة بعد أن راح يقدم برامجه السياسية الموثقة بالمشاهد والمستندات في محطات التليفزيون الاخبارية وعلى رأسها (C.N.N) .. ويبدو أن الشهرة والنجومية جعلته يضيف لنفسه صفة أخرى وهي العدوانية.. فقد راح يهاجم بضراوة ما وصفه بعداء المسلمين الطبيعي للديمقراطية.. وجنونهم بالحكومات الدينية.. «الثيوقراطية».. الديكتاتورية.. ولم أجد ما أرد به سوى تذكيره بالاستعمال السياسي الأمريكي للإسلام وأفرطت في استدعاء ما جرى في الشرق الأوسط منذ أن ورثت بلاده المنطقة.. ثم انتهيت قائلا بالنص حسب ما سجلت في أوراق تلك الرحلة: «إن الأمريكان استعملوا الجماعات والتنظيمات الاسلامية المتطرفة ومضغوها ثم بلعوها.. فإذا بها تشعل نارا في جوفهم وتسبب لهم «قرحة» ملتهبة في جهازهم الهضمي.. ومن ثم انقلبوا فيما بعد عليها.. إن الانقلابات الحادة التي تحدث في السياسة الأمريكية ليست تحولات بيولوجية.. طبيعية كالتي تحدث لسائر الأحياء.. ولكنها تحولات قسرية تحدث بالطرق الجراحية ووسائل البتر والقطع والاستئصال مع موسيقى تصويرية دعائية صاخبة لا تخلو من الصراخ والعويل».. «إن الأمريكان لا يشعرون بشيء يؤلم غيرهم ما لم يجربوه هم بأنفسهم.. وقد ارتكبوا خطأ عمرهم عندما وجدوا أنفسهم يركبون التطرف بكل ما فيه من شراسة.. فمن يركب ظهر الأسد يصعب عليه النزول دون أن تفترسه الأنياب والمخالب».. وكان رده: «إن اليقظة الأمريكية بعد محاولة تفجير مركز التجارة العالمي جعلت تكرار المحاولة مسألة مستحيلة.. إننا لسنا دولة ديكتاتورية في العالم الثالث حتى نكرر أخطاءنا».. وكان ما قاله كفيلا بتوتر العشاء الذي لم ننتبه إلا ونحن نغادر المطعم أنه كان على أنغام موسيقى «البلوز» الناعمة الحزينة. كان من الطبيعي عندما انفجرت صواعق النار والدم في 11 سبتمبر أن أتذكره.. فأنا أكره الغرور.. وأكره أن يتصور أحد أنه يحتكر وحده الصواب.. والحقيقة.. والثقة المفرطة في النفس دون مراجعة هي ثقة انتهت صلاحيتها.. وكان من الطبيعي أن أتذكره وأنا أهبط واشنطن هذه المرة باحثا عما جرى وراصدا له.. وضاعف من إلحاحه على ذاكرتي أنه - في هوجة الكتابة عن الاسلام والمسلمين التي اجتاحت الأمريكان بعد تلك الصواعق - نشر كتابا بعنوان: «الجهاد الأمريكي - الارهابيون عاشوا بيننا» عن دار «فري برس» في نيويورك تصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا لفترة كبيرة من الوقت. في الكتاب عرفت لأول مرة أنه أصبح يشغل منصب المدير التنفيذي لأكبر مراكز الأبحاث التي تهتم بأنشطة الحركة الاسلامية المتشددة وهو مركز يعرف باسم «مشروع التحقيقات» وفيه كل ما يمكن أن تتخيله من صور ووثائق وقضايا وبرامج وكتب عن هذه الحركة وفصائلها وقادتها.. ومن ثم فإنه ينفرد في كتابه بمعلومات لم تكن معروفة من قبل. لقد بدأت حركة الجهاد الأمريكي في مدينة «كنساس» في خريف عام 1989 بتنظيم معلن لجماعة الاخوان المسلمين عبر عن وجوده بشخص ملثم رفع المصحف في يد ورفع شعار الجماعة في يد وسط حشود المصلين من الرجال والنساء الذين راحوا يرددون وراءه: «الله أكبر ولله الحمد».. وقد حققت هذه الجماعة - على حد قوله - مستوى واسعا من الانتشار ومستوى عاليا من التنسيق مستفيدة «من الحريات المدنية المتاحة وفي مقدمتها حرية التعبير والاجتماع والدعاية وجمع التبرعات المالية والتدريب على الأسلحة».. وقد خرجت من رحم هذه الجماعة جماعات ومنظمات أخرى.. منها منظمة «الأرض المقدسة للاغاثة والتنمية».. وجمعية «الشورى والاصلاح».. بالاضافة لوجود ما يسمى باللجان الاسلامية منتشرة في عدد هائل من الولايات والمدن الأمريكية.. وقد كانت هذه المنظمات واللجان تجمع ما بين 50 - 90 مليون دولار سنويا مستغلة شبكة المساجد المنتشرة في طول البلاد وعرضها والتي تصل الى 1200 مسجد يخدمون نحو 8 ملايين مسلم من 56 جنسية مختلفة. وفي عام 1989 نفسه بدأت الحركة الاسلامية الأمريكية تفرض نفسها على الجامعات بادئة بجامعة «جنوب فلوريدا» وفي مدينة الطلبة في الجامعة رفعت لافتة باسم «عز الدين القسام» رائد الجهاد ضد اليهود في فلسطين أيام الاحتلال الانجليزي لها.. وهو نفسه الذي تنفذ كثير من العمليات الاستشهادية في الأراضي المحتلة باسمه الآن.. تنفذها «كتائب عزالدين القسام».. حسب بيانات المسئولين عن هذه العمليات. وفي عام 1991 أسس أستاذ الكمبيوتر المصري الدكتور «سامي العريان» منظمة ثقافية اجتماعية تربوية في تلك الجامعة تسمى «اللجنة الاسلامية من أجل فلسطين» وهي جمعية ثقافية تربوية دينية نجحت في ابرام اتفاق مع الجامعة للتعاون البحثي تحت شعار «التعددية الحضارية».. وفي هذه الجامعة وغيرها كانت هناك فرص ناجحة لتجنيد أمريكان غير مسلمين وصل عددهم الى نحو 3500 شاب وطالب.. وفيما بعد انضم بعضهم الى اسامة بن لادن في قيادة تنظيم «القاعدة» ومقرها أفغانستان. لكن.. فات «أمرسون» أن كل هذه التنظيمات سبقتا ما يعرف باتحاد الشباب العربي المسلم.. وقد نجح هذا الاتحاد في تحقيق شهرة عريضة عندما قام بدعوة رموز الحركة الاسلامية في العالم العربي.. مثل «راشد الغنوشي» زعيم حزب النهضة التونسية.. و«مصطفى مشهور» زعيم جماعة الاخوان في مصر.. و«موسى أبومرزوق» وهو قيادي في منظمة «حماس».. والدكتور «يوسف القرضاوي» المقيم في قطر.. وقيادي الاخوان «كمال الهلباوي» المقيم في باكستان.. وقد بدأ هذا الاتحاد نشاطه ببرنامج حماية المسلمين في أمريكا من أخطار وشرور ما وصفوه بالمجتمع الغربي الفاسد والمنحل.. ثم كان أن تحول هذا النشاط الى ما لخصوه بصراع الحق والباطل.. أو صراع حزب الله وحزب الشيطان.. ثم كان أن دعا الاتحاد قيادي حماس «خالد مشعل» الذي حاولت المخابرات الاسرائيلية اغتياله بنوع من السم.. وراح الرجل الذي أصبح نجما اعلاميا بعد نجاته من المحاولة فيما يشبه المعجزة يتحدث عن الجهاد ويمدح ما تفعله حماس وبعد أن فرغ توجه الى الحضور طالبا منهم التبرع وسط صيحات أنصاره: «خيبر.. خيبر.. يا يهود.. جيش محمد سوف يعود».. في تلك اللحظة بدأت أجهزة الأمن الأمريكية في وضع خطوط حمراء تحت أنشطة الاتحاد.. وبدأت في إدراجه ضمن المنظمات الارهابية.. فكل ما يتصل بالمقاومة والانتفاضة هو في العرف الأمريكي ارهاب. ويفتح «أمرسون» ملفات باقي الجماعات والتنظيمات الاسلامية في بلاده.. وهو بالمناسبة يعتبرها كلها بلا استثناء منظمات ارهابية.. بما في ذلك النوادي الاجتماعية الموجودة في المراكز الاسلامية والتي تلتقي فيها الأسر المسلمة للتعارف والتهاني في المناسبات كما أن هذه النوادي مكانا لتعليم اللغة العربية ومكانا يلتقي فيه الجنسان تحت سمع وبصر الأهل تمهيدا للارتباط بالزواج.. بل أن «أمرسون» يعتبر أي كتاب في مكتبة المساجد ونواديها الاجتماعية هي كتب تحرض على الارهاب حتى ولو كانت كتبا سياسية عن المشكلة الفلسطينية. ومن هذه المنظمات: «الجماعة الاسلامية الأمريكية» في كاليفورنيا التي يربط بينها وبين ما يجري في الجزائر والشيشان وأريتريا.. ومنها منظمة «الورشة الثقافية الأمريكية» وهي منظمة غير معروفة تقع على الساحل الغربي للولايات المتحدة تأسست قبل نحو 10 سنوات تصدر نشرة بعنوان «خليفورنيا» وهي مزج بين كلمتي «خلافة» و«كاليفورنيا».. ويتهمها «أمرسون» بأنها تخفي في حقيقتها الثقافية والدينية أفكار حزب «التحرير الاسلامي» الذي أسسه في فسطين عام 1953 الشيخ «تقي الدين النبهاني» والذي تتلمذ على يديه الدكتور «صالح سرية» الذي دبر حادث الكلية الفنية العسكرية في مصر عام 1974، ومنها «مجلس العلاقات الاسلامية الأمريكية» الذي تأسس عام 1994، ورغم أن هذه المنظمة أدانت ما جرى في 11 سبتمبر في إعلان على صفحة كاملة في عدد من الجرائد الشهيرة مثل «واشنطن بوست» ورغم أنه جمع تبرعات للضحايا وأقام صلاة الغائب على أرواحهم فإنه في عرف «أمرسون» أيضا منظمة إرهابية. إن كل ما يمت للاسلام بصلة لا يمكن أن ينجو من صفة وتهمة الإرهاب والجهاد.. وهو أمر واقع أتصور أن من الصعب - لا أقول من المستحيل - تغييره.. ولأننا لم نعد في عصر المعجزات ونزول موائد من السماء فإن تغيير هذه الصورة يحتاج الى كثير منا.. لكن.. قبل أن نجيب عن كيفية تحقيق ذلك لابد أن نترجم كتاب «أمرسون» وغيره لنعرف الى أي مدى تبدو الصورة غائمة وغامضة.. هذه هي الخطوة الأولى في طريق طويل يمتد على الأقل ألف ميل. ـ كاتب مصري