هكذا سوف نتعود تكرار المشهد ومن ثم وباستمرار هذا التكرار ستحيل حواسنا المشهد برمته الى الالغاء الفوري.. بهذا المنطق رد شارون على قمتنا العربية، بتفاصيل مأساوية ودراماتيكية في الوقت ذاته.. هذا المنطق المبني على مبدأ يعرفه علماء النفس بعادة الالغاء بالتعود هو ما تريده اسرائيل اليوم اكثر من أي وقت آخر.. إن تعود العرب على ضربهم بأشكال تتفاوت درجاتها حتى يعتادوا هذا الضرب فيملوا الاعتياد ثم يلغوه من انتباههم كما تلغي الاذن دوي مكيف الهواء، ومنذ زمان وبعض المحللين الذين امعنوا في اساليب الحكومات الاسرائيلية التي تتعاقب في الصراع العربي الاسرائيلي، يقولون هذا دون ان يلتفت الى تحليلاتهم الخطرة احد. فقط كان صبية الحجارة الذين يتساقطون بالمئات هم ما كان يبعث الى بعض الانتباهات العربية على الرغم من ان حجم السقوط والدماء التي تسيل ومشاهد القتل والابادة والتنكيل تحرك الجبال لا الأنفس. لا يمكن اليوم القول ان العرب عاجزون عن ردع اسرائيل، فنحن اسقطنا الردع من القائمة مهما اختلفت نسب قبول اسقاطه، لكنه في الواقع الامر برمته يذهب الى جهة النسيان لأنه في طريقه الى الاعتياد. يقول احد المحللين من اصحاب هذا التيار، في كل مرة تقمع فيها اسرائيل من يجهر برفضه للاحتلال تقوم بتجربة ضربة جديدة، ومنذ سياسة تكسير عظام الصبية الصغار، الى سياسات التجويع والتركيع بالقوة، ومن ثم الاغتيالات المخططة، ومن بعدها استخدام الدبابات بكثرة، ثم استخدام الطوافات وإمطار المدنيين بالرصاص، ومن ثم هدم البيوت على رؤوس اصحابها، ومن بعدها القصف بالصواريخ، ومن ثم استخدام الطائرات الحربية، في كل مرة كانت اسرائيل تزيد الجرعة قليلا.. وهذا ليس لان اسرائيل تقاوم الانتفاضة وتريد قمعها، بل لانها تريد ان تعود العرب على ان قمع الفلسطينيين امر اعتيادي، فهم رعاياها بالاكراه والاستعمار وتأديبهم شأن داخلي وهي التي يخصها هذا فقط.. بهذا المنطق تذهب اسرائيل اليوم وتستمد شرعيتها فيما تفعله هناك، وبهذا المنطق ترفض اسرائيل كل المبادرات السلمية، لان تلك المبادرات تغل من يدها، او تبعد رقاب الفلسطينيين عنها.. ما حدث بالأمس، مشهد لو تكرر في بلد آخر غير اسرائيل لقامت الدنيا ولم تقعد، لكنه يحدث هناك وبيدها ولا احد يفعل شيئا، هذا يقودنا بالتمام الى نتيجة ما سعت اليه فلسفة القمع الاسرائيلية لتشريد شعب واذلاله، ويؤكد لنا الصمت العالمي انها نجحت في الغاء المشهد اليومي الدامي من امام الناس في الوقت الذي هو يحدث فيه.. ترى اين يمكن صرف بنود بيان قمة بيروت لمنع رصاصة من أن تخترق قلب النضال هناك!! انها حالة تغييب وتنويم مغناطيسي لم يشهدها تاريخ الصراعات من قبل!!