على اثر أحداث الثلاثاء الأسود في نيويورك وواشنطن، قال المفكر الألماني «أولريش بيك»: لا يمكن لأي قضية أو أي فكرة مجردة أن تبرر العمل الإرهابي الذي تعرضت له الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، لأن هذا العمل كان ضد الإنسانية جميعها والحضارات بكل قيمها، بما فيها الحضارة الإسلامية والقيم التي تدعو إليها، انه اعتداء ضدنا جميعا، وأكد أيضا على الرفض التام لأي عمل أيا كان منطلقه يقصد منه التدمير لمجرد التدمير الذي لا يمكن لأحد أن يقف أمامه مكتوف الأيدي. وهو بذلك كان يعلن رفضه لتلك الأعمال العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة في أفغانستان وغيرها انطلاقا مما حدث لها، مستغلة تعاطف الجميع معها، لأن كل ما تقوم به من حرب وتدمير، في رأيه، لا يصب في المصلحة العامة للحضارات والشعوب التي ساندت الولايات المتحدة في تلك المحنة، بل تصب في اتجاه إحكام سيطرتها الأحادية النابعة من إحساسها بامتلاك القوة المفرطة. كلام الكاتب الألماني لم يكن منعزلا عن الأحداث التي يشهدها العالم منذ ما قبل أحداث نيويورك وواشنطن، بل من أحداث بدأت مع ظهور الجدل المطروح حول فكرة العولمة الاقتصادية الليبرالية الذي يفرض نفسه على الحياة البشرية الآن، وما نتج عن هذه الفكرة من حدوث صدام بين مؤيدي تلك العولمة بشراهتها وجشعها، وبين من يصورهم البعض على أنهم أعداء أو مناهضون للعولمة. في الحقيقة لو أننا حللنا مواقف الذين يصفهم الإعلام الغربي بأنهم معادون للعولمة لوجدناهم في الحقيقة ليسوا كذلك، بل لا يوجد هناك من يقف ضد فكرة العولمة من أساسها، لأنها نظام له مزاياه المطلوبة وله عيوبه أيضا، تماما كما كانت هناك العديد من الأفكار الاشتراكية المختلفة التي ترى كل منها إمكانية قيام اشتراكية واقعية، وكانت هناك أيضا أفكار مختلفة من الرأسمالية ترى أنه بالإمكان قيام رأسماليات مختلفة يمكن أن تقوم عليها أنظمة مختلفة، هناك أيضا أفكار عن «عولمات» مختلفة كلها ممكن وله مزاياه كما له عيوبه. إذا كان هناك من يصور النظام الاقتصادي القائم على الحرية المطلقة لانتقال رؤوس الأموال والحرية المطلقة لتبادل السلع التي خلقها وجود شبكة معلوماتية صنعت من العالم قرية واحدة كما يصفها البعض، فان هناك أنواعا ونماذج ممكنة للعولمة أيضا، وكل أنواع العولمات ممكنة بل وبعضها مطلوب، أو على الأقل مطلوب التحاور معها وحولها للوصول إلى الأفضل منها لصالح البشرية. المشكلة أن الانهيار الذاتي السريع للاشتراكية الواقعية التي كانت مطبقة في الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه، أغرت قطاعا كبيرا من مفكري الرأسمالية بممارسة ما أسماه بعض المحللين باسم «الفكر الأحادي» أو «الفكر الشمولي» باستغلالهم عدم وجود نظام متين قائم على أساس فكري مختلف يعارض فكرة العولمة الليبرالية بشكلها الحالي، على أساس أن العولمة هي ما هو «كائن» وليس ما يمكن أن يكون لو أن هناك حوارا حقيقيا دار حول تلك الفكرة لتطويرها لتصبح أكثر «إنسانية» وأقل جشعا، وتعمل لصالح الجماعة لا لصالح أفراد. سرعان ما ارتعد مؤيدو العولمة أمام ظهور الحركات المدنية الجديدة المعارضة للعولمة بشكلها «الليبرالي»، خاصة بعد أن اتضحت قوة المعارضين لذلك النموذج من العولمة في تظاهراتهم التي بدأت واضحة وقوية في سياتل وجنوة، ثم بعد ذلك في صعود نجم «منتدى بورت أليجري» في البرازيل الذي بدأ يسحب البساط من تحت قدمي مؤيدي «منتدى دافوس»، أو على الأقل يجذب جانبا من الأضواء المسلطة عليه. لكن هذا الخوف من أن تتحول تلك المعارضة إلى قوة ضخمة تفرض على العولمة الليبرالية أن تجري تحولا في تطبيقاتها الواقعية لتصبح اكثر إنسانية، وتصب في صالح الشعوب الفقيرة المحرومة من استغلال ثرواتها، وتقلل من مخاطر زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء على ظهر الكرة الأرضية، أصاب مؤيدي العولمة الليبرالية بالحمى والتشنج. في هذا الإطار شهدت الساحة السياسية الدولية تصريحات من المتشنجين أمثال رجل الأعمال الإيطالي «سيلفيو بيرلسكوني» الذي تسلق قطار السياسة ليكون الوطن في خدمة شركاته ومصالحه الخاصة، وما أن وصل إلى منصب رئاسة الوزارة حتى كان أول قانون يصدره برلمانه هو تكميم أفواه من يملكون الحديث عن حقيقة مصادر ثروته، وغل أيدي القضاء حتى لا يتم الكشف عن فساده وافساده، بل وصل الأمر به إلى أن يشمل القانون قضايا منظورة أمام القضاء فعلا، وهي قضايا تحاول محاسبته على العديد من الجرائم التي ارتكبها أقلها الرشوة والتهرب من الضرائب. تمادى بيرلسكوني في دفاعه عن «العولمة الجشعة» خلال قمة جنوة بإطلاق تصريحات تتهم المتظاهرين بالعمالة لأنظمة شيوعية لم يحددها (؟!)، ثم أطلق كلابه وبوليسه على المتظاهرين الرافضين لهذا النوع من العولمة ومطالبين بفتح حوار حقيقي حولها بحثا عن عولمة أكثر إنسانية. إلا أن أحداث 11 سبتمبر منحت مؤيدي العولمة الليبرالية الفرصة التي كانوا يبحثون عنها ليمارسوا ضد مناهضي نموذجهم «مكارثية» جديدة تمكنهم من تكميم أفواه المعارضين لتلك العولمة المتوحشة، على غرار ما استطاع أن يفعله «جو مكارثي» في الولايات المتحدة خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وخلف آلاف الضحايا الأبرياء الذين اتهمهم ذلك السياسي المتعطش للشهرة على حساب دماء الآخرين، فكانت الكارثة التي أفرغت الإبداع من مبدعيه الحقيقيين، ووضعت مكانهم المتملقين والمتسلقين أنصاف الموهوبين الباحثين عن الشهرة، تحت شعارها الفضفاض «مكافحة الشيوعية»، الراية نفسها التي ظلت تقف على رؤوس الأمريكيين ودفعت بهم في مغامرات عسكرية في فيتنام ولاوس وكمبوديا والتشيلي وغيرها من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وأغرقتهم في خسائر فادحة انتهت معظمها بالهزيمة التي لم تجد من دواء لها سوى أفلام رامبو وغيرها من الصور التي تحاول خلق انتصارات من الهزائم المخزية. استغل هذه الفرصة أيضا خوسيه ماريا أزنار رئيس وزراء إسبانيا ورئيس الدورة الحالية للمجلس الأوروبي، ليبرر أعمال القمع التي قام بها البوليس الإسباني ضد معارضيه الذين شاركوا في المظاهرات الضخمة التي طافت بالبلاد خلال قمة برشلونة، واتهمهم بأنهم برفضهم للنموذج الليبرالي القائم للعولمة يزيدون من معاناة الدول الفقيرة.(!) ما لا يريد أن يعترف به مؤيدو العولمة بنموذجها القائم حاليا أنه لا أحد ضد أن يصبح العالم قرية صغيرة، وأن تكون المواصلات ووسائل الاتصال بين البشر أكثر سهولة، لأن هذا يخلق مزيدا من التلاحم بين الكتل البشرية التي تمثلها الشعوب المختلفة، لكن مؤيدي العولمة الليبرالية يريدون مجالا يخدم مستفيدا واحدا، وهو من يملك «رأس المال»، لأن رأس المال يعتبر في رأيهم القوة المحركة للسوق، وهذا النموذج يضع رأس المال فوق الأيدي العاملة المنتجة، بل أن الأيدي العاملة المنتجة في عرفهم ليست سوى أداة من الأدوات التي يستخدمها رأس المال لتحقيق المزيد من الأرباح، وطبقا لهذا النوع من العولمة الليبرالية فإن الحرية في عبور الحدود لرأس المال وحده، بينما الفرد حبيس حدود الأوطان التي يحمل جنسيتها، أي أن النموذج الحالي للعولمة في الحقيقة قائم في أساسه على المضاربة لا على الإنتاج. قوانين العولمة الليبرالية القائمة حاليا تمنح من يملك مالا أكثر وأدوات أكثر تساعده على التحكم في من يملك أقل، وهذا يعني أن الثري يزداد ثراء والفقير يزداد فقرا، ولم ينتبهوا إلى أن أساس فكرة العولمة هو التبادل، وأن السوق قائم على منتج يبحث عن مستهلك، أي أن السوق قائم على التبادل لا على الفرض من جانب واحد، لأن السلعة في النهاية تبحث عن مستهلك يملك ثمن اقتنائها. في الحقيقة أن فكرة الحماية من سيطرة من يملك أكثر التي يرفضها دعاة العولمة الليبرالية فكرة مرفوضة نظريا، وقد أثبت الواقع العملي خلال الأسابيع الأخيرة أن دعاة العولمة الليبرالية والمطالبين بها يرفضونها ويلوون عنق قوانينها عندما تتعرض مصالحهم للمخاطر، حتى لو كانت مخاطر محسوبة ويفرضها قانون السوق نفسه، لذلك لم نجد من جانب «المكارثية الإعلامية» المسيطرة على وسائل الإعلام الغربية من ينتقد تراجع الولايات المتحدة قبل أسبوعين عن قوانين السوق، بتقريرها حماية صناعة الحديد والصلب التي تجد منافسة قوية من جانب الصناعات المماثلة في أوروبا. الأخطر من هذا أن العولمة الليبرالية القائمة أصابت الديمقراطية الغربية بالوهن، وتهدد أسسها، لأنه في ظل تلك العولمة أصبح الاقتصاد المحور الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، واحتلت السياسات الخارجية موقع الاهتمام الأول في عمل الحكومات الوطنية بينما مصالح المواطنين تراجعت، من هنا أصبح البحث عن عولمة مختلفة عن النموذج الليبرالي مطلوباً، بل ونموذج من هذه العولمة أكثر إنسانية ممكناً. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا