لكي تكون مثقفا لا يكفي ان تقرأ وتكتب وتناقش، بل يجب ان تطلق لحيتك بطريقة الهرش النابت وكأنك في فيلم رعاة البقر وترتدي قميصا متسخا مبقعاً بالزيت ومثقبا بأعقاب السجائر وان يكون شعرك اشعث اغبر لم يزره المشط منذ اخر عهد لك بالاستحمام وبين شفتيك بقايا دخان وطني ممجوج ويا حبذا ان تتكلم والسيجارة لا تغادر فمك ليخرج الكلام مبتوراً ومتوافقا مع ما تطرحه من افكار تناسب مقررات القمة الاخيرة. ولا بأس ان ترخي كتفيك وتحني ظهرك وكأن عبء المعرفة يثقل كاهلك فلا ترى الطريق جيداً لأن سيارة اجرة كادت تطيح بفلسفتك وانت تعبر الطريق متثاقلا، وآثار سهرة الأمس بادية على عينيك الناعستين ووجهك المنتفخ الذي يشبه وجه ساسوكي بطل النينجا في الافلام اليابانية. ولكي تكون مثقفا عليك ان تجلس في احد الصفوف الخلفية حتى تتاح لك فرصة التعليق على المحاضرة ونقض افكار المحاضر بصوت مرتفع ومن ثم سيكون مناسبا لك ان تفتح صحيفة بائتة لتطالع في صفحتها الثقافية شعراً لا يعجبك، أو زاوية لا تستهويك وربما تفتح كتاباً أهدي لك حديثا لتقرأ منه بعض الصفحات كرسالة احتجاج على هذه المحاضرة التي جئت اليها برجليك لان لا مكان اخر يتجمع فيه مثقفو المدينة غير هذه الندوة، فيراك الجميع وتسلم على من يشبهونك في التفكير والسلوك، ولا تلقي التحية على من يخالفونك الرأي وستجدها فرصة مواتية لاصطياد شاعرة شابة تبحث عن الانتشار والشهرة ثم تنزوي معها في ركن قصي لتستمع الى قصائدها السقيمة وتقول لها مشجعاً طولها الفارع وقدها المياس ان الشعر الذي تكتبه يتجاوز جميع من عرفتهن من شاعرات وانك مستعد للمساهمة في شهرتها التي تقترح ان تبدأ من الليلة وبعدها لكل حادث حديث. ولكي تكون مثقفا عليك العمل على بعض العلاقات مع نافذي الثقافة في المؤسسات الرسمية والصحف المحلية والعربية لتضمن لك حضوراً في المهرجانات الثقافية والصفحات اليومية والملاحق الاسبوعية، وهكذا يمكن ان تكون نجما دائم الحضور في كل محفل ثقافي، ولا تعود هناك اهمية لما تكتب أو تقول فقد وثقت علاقتك جيداً بهؤلاء وليس عليك سوى تدبير مورد مالي يساعدك على مصاريف دخانك وقهوتك وتسكعك في الاحياء القديمة لان روحك ابداً تحن للمكان الأول. ولكي تكون مثقفاً، ستجد اسمك ذات يوم في سجل احد مخافر الشرطة لانك تشاجرت مع البقال او تناطحت مع جارك في القبو الذي تسكنه حيث قادتك الشتائم الى محضر رسمي تخرج بعده الى الملأ لتعلن ضرورة تطبيق لائحة حقوق الانسان وتتحدث بضراوة عن المجتمع المدني وترفع صوتك في صحيفة او اذاعة مجاورة لدفع الظلم عنك بعدما أمضيت ساعتين في مخفر الشرطة وانت تشعر بسعادة رائعة لانك تحولت الى بطل وطني يطلب رأسه ويمنع قلمه ويكم فمه وحالك حال صعلوك العرب الشنفري حين قال: اقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل E-mail: H-S-D@maktoob.com