هناك بقاع تسكن القلب لا يزول صداها ابدا. قد تسكنها وقد تفرض عليك الرحيل عنها، قد تذبل هذه البقعة، وقد يصيبك الذبول أنت ولا تعود لها مرة أخرى لكنها في كل أحوالها وفي كل حالاتك تحملها معك، لا يمكنك أن تسقطها منك، ولا تملك أن تنساها، أمر هذه العلاقة الحتمية ان المكان ما عاد مجرد ذاكرة أو ذكريات أو إنه حالة وجود وتواجد قد تنعدم وتنقضي، أصبح اكبر من ذلك بكثير، اصبح فيك، قطعة منك لا تتبدل، قد تصغر لكنها تظل فيك، جزء من مكوناتك ووجودك. قد تكون «مسافي» واحدة من هذه البقاع التي تسكن القلب، بالتأكيد ان لها مساحة واسعة وعزيزة في قلوب الكبار كبار السن والأجيال التي تلتها والتي عاشت وشافت أزمنة التعب على هذه الأرض الطيبة في أهلها وبذورها والبسيطة في خيراتها وأرزاقها. في ذلك الزمان، عندما كانت الأرض تتلظى وتكوي بشمسها ورمضائها كل من عليها، كان الربيع في مسافي، الجميع يهربون من كل حدب نحوها هي كانت تمنحهم نسمة الهواء في اللحظة التي يضيق فيها النفس وينعدم في غيرها من الأمكنة. كرمها لا يكون في ذلك وحده إنما في الماء، وماء مسافي الواحة «الأصلي» لا مثيل له إنه عذب فرات يأتي من أعالي جبالها ولا تنقطع وديانه وغدرانه، سبيل للضيفان، وأصحاب «الحمايل» و«الكريات» في رحلات الشتاء والصيف يتبادلون ويتقاطعون ويستريحون ويتزودون في مسافي، تعطيهم الماء والهواء والراحة والذكريات ويحملون منها خيرات الرطب واللومي والفيفاي والسفرجل و«همبا» مسافي. عجيبة مسافي هذه في خيرات المانجا فيها، أصبحت مضربا للمثل في الأزمنة الماضية: أشكال وأنواع وأحجام ومذاقات مختلفة تخرج فيها، وعندها فصائل لا تنبت إلا في أرضها، فكان كل من يأتي إليها يعبر الوادي ليدخل غابة النخيل والمانجا ويشاهد عن قرب أجمل واحة زرعها الإنسان في حضن الجبل، ولا يخرج منها إلا حاملا منها أغلى الهدايا: «همبا» مسافي. ازدهرت حضارة هذه الواحة وعمرت طويلا بفضل خيراتها وموقعها وحنين الناس لها. وعندما تبدل الزمان وجاء الخير والنعيم، أصاب مسافي من هذا العطاء وازدهرت مثل غيرها من القرى والواحات في هذا البلد. لكنها فقدت ما يميزها: الماء والهواء والجبال، فكسارات الصناعة لم ترحم هذه الراسيات الشامخات نخرت بطونها ودكتها بقوة، دون ان تهتم بضرورات البيئة ومتطلباتها، فتلوث الهواء ولم يعد عليلا وتأثرت طبقاتها الأرضية وماتت نباتاتها العشبية التي كانت تتكاثر وتكبر وتزين جدران هذه الجبال، وأصاب مسافي اكبر من علة طنين كسارات الحجارة الذي لم يتوقف سنوات طويلة، وهو أن جفت منابعها، وما عاد فيها ما يروي زرعها. هذا الجفاف الذي كبر وتزايد كان اكبر صدمة لإنسان هذه الواحة، فكل شيء يهون عند صاحب الزرع إلا ان يشاهد زرعه يتلوى من العطش، فكيف حاله إذا كان هذا الزرع عبارة عن أشجار ضخمة عمرها عشرات السنين ورثها له جده وأوصاه والده بها خيرا. فأشجار النخيل والمانجا التي يتساوى ارتفاعها مع طول جبال مسافي، ليست مجرد مصدر دخل رئيسي بل ووحيد في يوم ما لأهلها، إنما هي حضارة وتاريخ ينظرون لها كذلك، تؤنسهم وتجذب لهم الخير والزوار وتوصلهم بالعالم، وفي عروقها الطويلة شقاء وأحلام أجدادهم الذين غرسوها ولم يورثوا لهم غيرها. هذا العطش ونهاية أسطورة الواحة الجبلية الغناء كان اكبر كارثة عرفتها مسافي وعانى منها إنسانها. وظل سنوات طويلة يبحث عن حل يعيد له الأمل في عودة الحياة لمسافي، ويبدو ان صبره طال كثيرا. وبدل ان يأتيه الماء وتزدهر «الهمبا» من جديد، جاءته الزلازل وهذه مصيبة تهون عندها كل المصائب، ما كانت تخطر على البال، ولم يتخيلها عقل ساكن تلك المنطقة. في ليلة مظلمة تزلزلت الأرض من تحته، وظن أنها أضغاث أحلام، فإذا بها مع الصباح حقيقة مفجعة، آثارها في كل شيء حوله. وتكررت الصدمة، تكررت الزلازل في ليال متتابعة وفي درجات مختلفة، وكان اكبر مخلفات هذا الدمار الذي جاء فجأة هو الخوف الذي تولد في نفوس أهالي مسافي، خوف اكبر من أزمة العطش وموت الأشجار المعمرة ومعاناة المعيشة. الخوف هذه المرة على الحياة، حياتك وحياة اهلك وأولادك. ولا شيء أغلى من النفس، أغلى من وجود الإنسان على هذه الأرض نفسيا. يقولون علينا ألا نضخم في الحديث والصور، لا نثير مخاوف أهالي المنطقة، لا نزيد قلقهم يكفيهم ما فيهم، لكن منطق العقل يقول ان على الوزارات والدوائر والمؤسسات المعنية أمانة أن تنظر وتبحث وتتحرك بسرعة، تنجد مسافي وما جاورها قبل ان تكبر الزلازل. وأمنية ان تعود مسافي غنية مطمئنة، وان نعود لها نجد فيها الهواء والماء.. و«همبا» مسافي.