«الجنرال» رواية مهمة وجميلة كتبها الانجليزي (آلان سيليتو) وحاول من خلالها ان يصور حالة من حالات الصراع الذي يزخر به المجتمع بشكل أو بآخر، باعتبار ان الأدب الحقيقي هو الذي يعمل على تصوير حياة الناس العاديين بغض النظر عن اخلاقياتهم وتوجهاتهم، لكنه الادب الذي يشرح نوعيات البشر بطريقة يستطيعون ان يتعرفوا على انفسهم من خلالها، بحيث يتحول الى مرآة كبيرة يضعها الكاتب في مواجهة المجتمع كي يرى نفسه فيها على حقيقتها دون رتوش او مزايدات او تنظيرات بلا داع. هل هناك فرق بين قائد عسكري على الجبهة يقود جنوده في معركة ما، وبين قائد اوركسترا؟ وهل هناك فرق بين من (يعمل) لنفسه مستغلا الآخرين، ومن (يعمل) للآخرين مسخرا نفسه وامكانياته؟ واذا تواجه الاثنان خلال عمل مشترك وعلى ارضية مكان واحد فكيف ينظر احدهما للآخر؟ أين الحق وقيم الخير والجمال والفضيلة، هل هي لدى قائد الاوركسترا أم لدى قائد الجبهة؟ في الرواية يدير الطرفان صراعا من نوع ما، حيث لا يفهم احدهما شيئا عن الآخر، وعن طبيعة عمله، ولا يستطيع ان يستوعب هذا الآخر لاعتقاده بأن لا اهمية لما يقوم به، او ليقينه بأن لا عمل اهم من عمله، او انه هو الانسان الافضل ومن عداه مجرد اشخاص لا ضرورة لوجودهم! انها حالة من حالات الجهل او الاستلاب المرضي باتجاه الذات حينما يتراءى لها بأنه لا أحد يعادلها او يساويها في الأهمية، وهذه الحالة قد تنبع من تصميم واصرار وهذا ما نسميه جنون العظمة، وقد تنبع من تشوهات في التربية والتفكير قاد في النهاية الى قناعات خاطئة بحاجة الى تدخل علاجي سريع! في الرواية، لا يستوعب جنرال الحرب عمل وأهمية جنرال الموسيقى، كل ما يعرفانه عن بعضهما ان هذا يحارب وذلك يعزف الموسيقى ولكن ما ضرورة الموسيقى وما هي اهميتها؟ فإن هذا السؤال لا جواب له عند الموسيقي انه يجيب عن سؤال قائد الجبهة وما جدوى الحرب اذن؟ فيعود السؤال: وما جدوى الموسيقى؟ وهكذا.. كما يتحاور كل الناس في المجتمع.. لماذا تفعل كذا فيكون الجواب: وانت لماذا تقوم بكذا، أو ما أهمية ما تفعله انت؟ في الرواية يجبر قائد الاوركسترا بأن يتوجه للجبهة ليعزف للجنود، وهنا يقول قائل الجبهة: ان الحرب ايضا فن راق، وادارة الجبهة مثل قيادة الفرقة الموسيقية، انت (يوجه الحديث للموسيقي) تعرف اهمية هذه الآلة ومتى على صاحبها ان يعزف، وانا اعرف متى سينطلق المدفع او القنبلة او ستتحرك الكتيبة او الدبابة، انا اعتبر هدير المعركة كموسيقى الاوركسترا تماما! في الحرب التي كان يخوضها جنرال الجبهة كان الحق نسبياً جداً، والدفاع لم يكن دفاعاً عن حق، لكن عقلية الجندي كانت تحتم عليه ان ينظر الى ما يقوم به على اعتباره واجبا وطنيا قوميا حيث لا اهمية لوجهة نظر الآخر الذي يحاربه، تماما كما ينظر شارون اليوم الى ما يقوم به هو وجيشه على انه حرب مقدسة لأجل حماية أمن دولة «اسرائيل» وبأن ما يقوم به الاستشهاديون ليس سوى «ارهاب» موجه ضد المدنيين في المستوطنات.. انه شكل آخر لقائد اوركسترا يرى في جيشه ونيران مدافعه ورشاشاته موسيقى من نوع خاص. الفارق كما يلخصه لنا (آلان سيليتو) في روايته ان الجنرال يقود سيمفونية الموت، والفنان يقود سيمفونية الحياة، تماما مثل جيش شارون وكتائب الشهداء على ارض فلسطين. aishasultan@hotmail.com