أي استراتيجية للسلام تولد ميتة اذا لم ترافقها على خط مواز استراتيجية لردع العدو. هذه هي القاعدة البشرية الأزلية لادارة الصراع، اي صراع. ومن هذا المنظور فان المبادرة العربية للسلام المعروضة على اسرائيل لن يكتب لها نجاح بأي حد أدنى، اذا لم تربط ربطا عضويا مع دعم الانتفاضة الفلسطينية لتصعيدها الى مستوى اعلى فأعلى، الى ان يستجيب الطرف الاسرائيلي الى داعي السلام العربي. لكن تاريخ الانتفاضة الفلسطينية الاولى في اواخر ثمانينيات القرن الماضي ليس فيه مايفيد بأن الدول العربية كانت حريصة على استمرار اشتعالها. وربما كان العكس هو الصحيح، والآن، والانتفاضة الثانية مستعرة لمدة 18 شهرا لايبدو انه طرأ تغيير جوهري على الموقف العربي الجماعي الرسمي. في عام 1988، وكانت الانتفاضة الاولى قد دخلت ايضا شهرها الثامن عشر، انعقد اجتماع قمة عربية في الجزائر، خصصت بالكامل لدعم الانتفاضة، وخرج البيان الختامي ليحمل الى العالم ان القادة العرب اتفقوا على دعم الانتفاضة بمبلغ 43 مليون دولار شهريا، ولكن بعد مرور عام على هذا الوعد اتضح انه لم تلتزم به تماما سوى دولة عربية واحدة، اكثر من ذلك ثبت ان هناك دولا عربية كانت تمارس نشاطا دبلوماسيا مكثفا من اجل اخماد الانتفاضة عن طريق الضغط على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي كان مقرها تونس آنذاك. في هذه الاثناء كانت الولايات المتحدة تسند هذه الضغوط العربية باستدراج قيادة منظمة التحرير الى قبول وعد باعتراف واشنطن بشرعية المنظمة، في مقابل تنازلات فلسطينية تفضي عمليا الى تصفية الانتفاضة باسم «نبذ العنف». وما أشبه الليلة بالبارحة، فالمهمة التي كلف بها الآن المبعوث الامريكي الجنرال انتوني زيني لمحاولة اخماد المقاومة الفلسطينية، هي نفس المهمة التي تولاها قبل اكثر من 13 عاما سلفه جورج شولتز وزير الخارجية الامريكية آنذاك في عهد الرئيس رونالد ريجان ومن بعده رصيفه جيمس بيكر في عهد الرئيس جورج بوش الأب. وهكذا، خلال فترة اواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وجدت القيادة الفلسطينية نفسها في العراء، فالدعم العربي الموعود للانتفاضة لم يأت منه الا النذر اليسير، بينما انضمت جهود عربية الى جهود الضغط الامريكية. ومن المفارقات ان العديد من الحكومات العربية كانت منهمكة مع الولايات المتحدة في حركة الجهاد الافغانية ضد الوجود السوفييتي في افغانستان آنذاك، ومما يجسد مرارة هذه المفارقة ما جاء على لسان عرفات في مقابلة صحفية في ذلك الحين. قال الزعيم الفلسطيني: «لقد انفقت الحكومات العربية في افغانستان خلال عام واحد اكثر مما قدمته الى منظمة التحرير خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية» ثم تساءل: «أليس من العار ان يبخل العرب على الانتفاضة الى هذا الحد؟». ثم قال بأسلوب هزلي انه يقترح تغيير اسم «القدس» ليكون «القدس أباد» لاقناع العرب بالمشاركة في تحريرها! ومع ذلك فانه ليس من الانصاف اعفاء قيادة منظمة التحرير نفسها من مسئولية اخماد الانتفاضة الاولى في الثمانينيات فقد سمحت لنفسها بالانخراط في لعبة المناورات العربية، وهي تتعجل قطف ثمار الانتفاضة قبل نضوجها. ويبقى السؤال الكبير: هل استفاد احد من تجربة الماضي؟ ان القيادة الفلسطينية وعت الدرس كما يبدو، ربما بسبب انتقالها من الخارج الى داخل الاراضي المحتلة في غزة والضفة، وبالتالي تفاعلها ميدانيا مع كوادر وجماهير المقاومة وبالطبع وعت الدرس قيادات فصائل المقاومة فلم تعد تنخدع بالوعود الفارغة أيا يكون مصدرها. لكن لايبدو ان الدول العربية قد وعت درسا واذا كانت هذه الدول قد انعقد اجماعها اليوم على مبادرة جماعية للسلام مع اسرائيل، فان عليها لكي يكون للمبادرة قدر من المصداقية لدى الفلسطينيين واسرائيل على حد سواء ـ ان تكون مسنودة بدعم ملموس وجاد للمقاومة الفلسطينية المسلحة.