يتزايد عدد المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية تزايدا مستمرا. وقدموا ويقدمون اليها من شتى بقاع العالم لاسباب، منها طلب العلم او الرزق او السعي الى التمتع بقدر اكبر من الحرية السياسية. ويقيم في الوقت الحاضر اكثر من سبعة ملايين مسلم في الولايات المتحدة. وتختلف مستويات المسلمين الثقافية عند قدومهم الى هذا البلد. فمنهم من كان خريجا من الجامعات وحائزا على درجات علمية رفيعة وخصوصا في الطب. وكان كثير منهم على مستوى ثقافي منخفض. لقد هاجر كثيرون منهم الى الولايات المتحدة وهم يطمحون الى تحسين حالتهم المعيشية دون ان يكونوا عارفين بالتحديات الثقافية والدينية واللغوية التي كانت تنتظرهم. وفي صفوف المسلمين في هذا البلد يوجد عدد كبير ممن يفتقرون الى معرفة الديانة الاسلامية، ويشكل هذا الافتقار احد التحديات الخطيرة التي يواجهونها. ويريد كثيرون منهم الاستزادة من معرفة دينهم. وعلى الرغم من ان كثيرا منهم حققوا نجاحا كبيرا في عملهم المهني ووفروا مبالغ مالية كبيرة او طائلة، فان كثيرا من الجماعات الاسلامية ليست لديها امكانات مالية تكفي لاقامة المؤسسات التي توفر لهم التنشئة الاسلامية. لقد بذلوا جهودا كبيرة في انشاء المراكز الاسلامية التي تضم المساجد والمدارس. وحققت هذه الجهود نتائج طيبة وشيدوا مساجد حسب الطراز العربي الاسلامي. وتوجد مراكز او مدارس اسلامية او مساجد في جل ان لم يكن كل الولايات. وفي حالات اشترى مسلمون مباني او كنائس وحولوها الى مساجد. المراكز الاسلامية هي محور النشاط الاسلامي. يضم عدد من المراكز الاسلامية مصلى وقاعة للمحاضرات والاجتماعات ومكتبة وغرفا للدراسة. ومن الوظائف الاخرى الهامة التي تؤيدها هذه المراكز انها تتيح فرصة اجتماع المسلم باخوته المسلمين لإشباع الرغبة في تعزيز الحس بالانتماء الى الجماعة الاسلامية. وعن طريق هذه النشاطات يجري التأكيد على الذات والمحافظة على مقومات الشخصية. ضعف التواصل وواقع المسلمين مثقل بالمشاكل من مكونات الخلفية الاجتماعية التي نشأوا فيها ومن الواقع السياسي المعاصر في العالم. كثير من المسلمين الذين ولدوا في الولايات المتحدة لا يعرفون ما يكفي عن الاسلام وجذورهم وهويتهم الدينية والثقافية. انهم يواجهون مشكلة المحافظة على شخصيتهم الدينية. ومما اسهم ويسهم في ايجاد هذه المشكلة ان قسما كبيرا من آبائهم قدموا او هاجروا الى هذا البلد دون ان تكون لديهم ثقافة اسلامية قوية او راسخة، وبالتالي لم يستطيعوا ان يمنحوا ابناءهم ما لايمتلكونه. وفي المحيط الخارجي يواجه الابناء والبنات الذين ولدوا في امريكا تحديا ثقافيا دينيا قويا فالامريكيون في اغلبيتهم الساحقة يجهلون الاسلام والثقافة الاسلامية. وموقف الاغلبية الساحقة منهم حيال الثقافة الاسلامية ليس وديا. وموقف كثيرين منهم معاد. وتوجد مشكلة اخرى يواجهها عدد من المسلمين، وهي ان لون بشرتهم يختلف عن لون بشرة الامريكيين المتحدرين من اصل اوروبي، وفي محيط للون البشرة اهمية في النهوض او عدم النهوض الاقتصادي والاجتماعي يتضح ما للون البشرة من اثر سلبي في مجال الترقية الاجتماعية لقسم من المسلمين. وفي المدارس الاسلامية الكثيرة المنتشرة في شتى الولايات يتعلم الطلاب اللغة العربية والديانة الاسلامية، بما في ذلك قراءة وفهم سور وآيات من القرآن الكريم واحاديث نبوية فضلا عن المقررات المدرسية الحكومية. وتعترف السلطات الحكومية بشهادات التخرج التي تمنح للطلاب الخريجين من المدارس الابتدائية والثانوية الاسلامية. وعلى الرغم من قلة الموارد المالية والنقص في عدد المعلمين والمعلمات الاكفاء في الدراسات الاسلامية والعربية، فقد خرجت هذه المدارس دفعات من الطلاب والطالبات الذين يحسنون معرفة اصول واركان العقيدة الاسلامية وتكلم ـ او على الاقل فهم ـ اللغة العربية. ولدى كثير من المسلمين يقل الاهتمام بالسياسة المحلية. وتقل صلات المسلمين ـ وخصوصا في المجال الاجتماعي ـ بسائر الامريكيين وذلك احد الاسباب في قلة تأثيرهم في هذه السياسة. ويمكن يقينا زيادة وتكثيف العلاقات بينهم وبين سائر افراد المجتمع الامريكي، على الرغم من ان كثيرين منهم يعتبرون المسلمين غرباء عن البلد او متطفلين عليه او غير مرغوب في اقامتهم فيه. وقد تعزز هذ الشعور الامريكي بعد مأساة 11 سبتمبر في السنة الماضية في مدينة نيويورك. ومما من شأنه ان يجعل صوت المسلمين مسموعا في هذا البلد المثابرة على محاولة اسماع هذا الصوت في وسائل الاتصال الجماهيرية وانشاء وتقوية الاتصالات بين المسلمين وغير المسلمين على المستوى المحلي والقطري. اسباب النفور وتقوم اسباب لنفور عدد كبير من الامريكيين من الديانة والثقافة الاسلاميتين. ومن هذه الاسباب جهلهم لهما وتشويه صورتهما من قبل فئات سياسية معنية بهذا التشويه وعلى الرغم من ان كثيرا من المسيحيين يتعاطفون مع اديان غير الديانة المسيحية او يتخذون حيالها موقفا محايدا، فان المرء لايلمس مثل هذا التعاطف حيال الاسلام والمسلمين بسبب انقضاء قرون من التضليل من عهد الصليبيين، وايضا لأن الغرب في القرون الماضية شاهد الدولة الاسلامية القوية وهي تهدد دولا اوروبية، وهذه الاحداث التاريخية عالقة بأذهان عدد من المطلعين على العلاقات التاريخية بين العالم الاسلامي والعالم المسيحي. وفضلا عن المراكز الاسلامية يوجد عدد محدود من المؤسسات الاسلامية في الولايات المتحدة. ويمكن لهذه المؤسسات وايضا لمؤسسات اسلامية من العالم الاسلامي ان تسهم في تبيان حقيقة الاسلام والثقافة الاسلامية وفي تبيان الجهود المبذولة لتشويه صورتهما. وعلى الرغم من الاوقات العصيبة التي تمر بها العلاقات بين الغرب والعالم الاسلامي فان كثيرا من الامريكيين يولون اهتماما للاطلاع على مباديء الدين الاسلامي. ويتخذ عدد محدود منهم موقفا محايدا او منصفا. والواقع ان عددا من الرجال والنساء الامريكيين اعتنقوا ويعتنقون الاسلام، وذلك لانهم كانوا يبحثون عن مباديء يتضمنها الاسلام، منها اكتشافهم لرسالة الاسلام في العدالة والانصاف والمساواة بين البشر ووحدة الجنس البشري وعالمية التوجه الاسلامي ووجود العلاقة المباشرة بين الله الخالق والانسان، ويتم ذلك الاكتشاف عن طريق دراستهم للاسلام او احتكاكهم بالعرب والمسلمين، والسبب الآخر لاعتناق غربيين للاسلام هو ادراكهم للغلو في النزعة المادية السائدة في الغرب ومعاناتهم من الفراغ الروحي الذي يشعر به كثيرون في الغرب. ومن الطبيعي ان يكون الاندماج في مجتمع جديد اكثر عسرا. وهذه الحالة تنطبق على المسلمين في امريكا، غير ان عملية الاندماج بدأت وستستمر رغم آثار العمل الارهابي الذي استهدف بنايتي مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك. وكان للمسلمين تأثير في الحياة الامريكية. وتجسد هذا التأثير في جملة ما تجسد فيه في موافقة البيت الابيض في عهد بيل كلينتون على وضع الهلال الاسلامي فضلا عن الصليب ونجمة داوود في البيت الابيض في بعض المناسبات الدينية، وتلبية الرئيس السابق كلينتون لدعوة «المعهد العربي الامريكي» الى زيارته، وانشاء رالف نادر الناشط اللبناني الأصل في الدفاع عن المستهلك لحزب سياسي ـ كان صغيرا ـ خاض معركة الرئاسة الاخيرة، مما كان له اثره في تغيير موازين القوى الانتخابية. وبمرور الوقت سيكون للمسلمين اثر اكبر في الحياة السياسية والاقتصادية الامريكية، وسيشغلون مناصب سياسية واقتصادية ذات اهمية. ومما سيزيد من تأثيرهم هو وعيهم المتنامي بأهمية تسجيل اسمائهم للتصويت ومشاركتهم في الانتخابات على مستوى القطر والولاية والاقليم. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة