(1) «كن دليل نفسك»: من العجيب العجيب ان واحدنا يسعى لمصاحبة غيره من الناس ولا يصاحب نفسه بل قد يكون من حيث لا يشعر عدواً لنفسه يتجاهلها ويتخلى عنها ولا يرشدها الى افضل الطرق، بل قد يتركها على هواها تنحرف الى الزلل وتسقط في الهاوية وهو يبكي على صديق يعينه على نفسه وليخلصها من عذاباتها التي هو ادرى بها من غيره فليس احد ادرى من الانسان بنفسه فإن الانسان اقرب الى نفسه من غيره يعلم ما يؤلمها وما يفرحها وما يصلحها وما يفسدها ولكنه رغم ذلك لا يبذل لها ما يبذله احياناً لنفس غيره من خدمة بل هو يعتني بجسده الفاني الهالك لا محالة على حساب نفسه الباقية الخالدة التي لا تشيخ كما يشيخ الجسم ولقد انتبه العرب الى ذلك فجاء ذكر النفس في اشعارهم كما لم يجئ في اشعار وآداب سواهم من الامم لذلك قال قائلهم وقد عرف قيمة نفسه وانها جوهر الانسان وما الجسم الا غمدٌ من طين وماء يبلى ويفنى فقال: غالي بنفسيَ عِرفاني بقيمتها فصُنتُها عن رخيص القَدْرِ مُبْتَذَلِ وعَادةُ النّصْلِ أن يزهو بِجَوْهَرِهِ وليس يعملُ إلاّ في يدِ البَطَلِ وإن أول حقوق النفس على الانسان أن يلتفِتَ اليها التفاتاً تستحِقّهُ لا لكي يرفعها على الناس ويتعالى بل لِكَي يَرى ما يعتريها من نقص وضَعْفٍ ويقبِلُ عليها كما يُقْبِلُ على هِندامِه فيصلح منها ما اختل وما ذهب رونقه لأن الانسان في الحقيقة لمن يكسب صفة الانسانية بجسمه وبدنه فإن في ابدان الحيوانات والجمادات من خَلْقِ الرحمن ماهو اجمل واكمل واقوى بناءً من الانسان وليس جسم الانسان بأفضل من اجسام المخلوقات غير العاقلة الا لوجود هذه النفس الانسانية فيه لذلك قال شاعرهم: يا خادِمَ الجسمِ كم تسعى لخدمتِهِ أتطلُبُ الربحَ فيما فيهِ خُسرانُ أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ (2) «الأمل» وان اول امر التفت اليه العرب فسطروه في اشعارهم من حقوق النفس على الانسان هو الحرص على بث الامل في النفس بالحياة الكريمة فإن النفس بغير امل في الحياة نفس تعيش بلا هدف يكون دافعها الى الاستمرارية والمُضِي في السير أماما في مواكب الانسانية المفيدة وما الامل إلا احساس بأن للحياة هدفاً يدعو الناس ويحدوهم الى العمل الذي حث عليه الاسلام بقول الخالق العظيم «وقل اعملوا» وقد جاءت كلمة اعملوا مطلقة غير محدودة فإن الانسان مطلوب منه ما دام حيّاً ان يعمل ويعطي في كل انحاء الحياة ومناشطها وليس المقصود بالعمل العبادة وحدها بل المقصود العمل مطلقاً دينياً كان ام دنيوياً بشرط ان يكون في حدود نواميس الخالق الدائرة في فلك ما امر به ونهى عنه، والعمل الدنيوي ان قصد به عمارة الكون والحفاظ على كرامة الانسان وصون نفسه الكريمة عن الذل بسبب الحاجة كان ذلك العمل الدنيوي عملاً مثاباً عليه في الآخرة، وقد قال الشاعر العربي وقد علم اهمية بعث الامل في النفس الانسانية: أعَللُ النفسَ بالآمالِ أرقُبُها ما اضيَق العيشَ لولا فُسْحَةُ الأمَلِ (3) «القيمة» وإن من اوائل الامور التي لابد للانسان ان يحرصَ على ان يحلّي بها نفسه هي البحث لها عن قيمة ترتفع بها عن مهاوي الضياع والمذلة والهوان ولا يسقط بالانسان ولا يهوى بنفسه مثل احساسه بأنه لا قيمة له في الحياة. وكيف يكون للانسان ونفسه قيمة، وهو لا يحسن في حياته عملاً يكون تِرْساً من تروس آلة الحياة الدائرة المنتجة، وهل يدفع بالشباب الى مهاوي الرذيلة والفساد الا الاحساس بقلة القيمة وقد انتبه العرب الى ذلك فقال شاعرهم: وقيمةُ المرء ما قد كان يُحْسِنُهُ فاطلُب لنفسِك ما تعلو بِهِ وَسَلِ وقد ادركوا ما يذهب بالشباب ويضيعهم وأن قلّة المال والفقر ليس دائماً هو سبب الضياع ولكنه الغنى اذا صاحبه بطالة وفراغ وشباب فقالوا: إن الشباب والفراغَ والجِدَة مفسدةٌ للمرءِ أي مفسدة (4) «نُصح النفْس» وإن من اكبَر حقوق نفسِك عليك ان تنصَحَ لها اي ان تخلِص لها النصيحة وألا تتركها للزمان واهواله ومصائبه وحيدة بلا معين. فكل كريم لا يبخل على صاحبه او جاره بالنصح والوقوف معه في شدته فكيف به مع نفسه، إنها اقرب اليه من جاره وصاحبه فهي احق منه بذلك فكان لها الحق في ان يقف معها وقفة محب صادق صدوق ويقول: إنّي اقول لنفسي وهي ضيقَةٌ وقد اناخ عليها الدّهرُ بالعَجَبِ صَبراً على شِدةِ الأيامِ إنّ لها عُقبى وما الصبرُ إلا عندَ ذي الحَسَبِ سيفتحُ اللهُ عن قُرْبٍ بنافعةٍ فيها لمثلكِ راحاتٌ من التعَبِ (5)«الكرامة» وإن من اعظم ما يجب أن يحفظَهُ الانسان لنفسه هو كرامتها التي فطرها الرحمن عليها، ومن اسباب الكرامة للنفس الرضا وعدم الطمع فيما في ايدي الناس والصبر على نوائب الزمان وعدم مخالطة ومعاشرة الاوغاد والسفلةِ من البشر وعدم اهانة الناس فمن اكرم الناس اكرموه ومن نزل الى دناياهم وشاكلهم فيها هان عندهم. إذا ما اهنتَ الناسَ هُنت عليهِمُ كما أن من يكرم الناس يُكْرَمُ وإن اهم ما في ذلك هو الرفعة بالنفس الى العلياء حتى تكون انساناً رفيعاً حكيماً وقوراً بصيانة نفسه حيث وصفه الشاعر العربي فقال: وصان عن الفحشاءِ نفساً كريمةً أبَتْ هِمةً إلا العُلا والمعاليا تراهُ إذا ما طاش ذو الجهل والصبا حليماً وقوراً صائِنَ النفس هاديَا