إن ارتباط المسألة المائية العربية بالأوضاع السياسية والحالة السائدة في الشرق الأوسط، يكسبها درجة بالغة من الأهمية. والمعروف انه في كل عهد من العهود، وفي أي زمان من الأزمان، هناك دائما قضية أو قضايا تحتل الدرجات الأولى، من سلم الاهتمام، سواء على صعيد دولة ما، أو على المستوى العالمي. ويمكننا ان نذكر ان في هذا المجال مسائل، من مثل العولمة والمياه والمعلوماتية والفضاء والديمقراطية والانترنت والاستنساخ والثورة الجينية... الخ. فكل من هذه أو غيرها، احتل أو مازال يحتل أولوية خاصة وأهمية استثنائية في وقت من الاوقات، فهل نستطيع القول بأن أهم مشكلة تواجه العرب اليوم، على وجه الخصوص، والعالم عموما، تتمثل بالمعضلة المائية؟ إن هذا صحيح الى حد كبير، أو على أقل تقدير، إلى حد ما، لأن هناك مشكلات اخرى كثيرة تعصف بالعرب وبالآخرين وتقض مضاجعهم. ولكن تكرر مواسم الجفاف في بعض الدول العربية، ونظرا لارتباط المياه بالحياة نفسها، بشتى دروبها ومسالكها، وتأثيرها الحاسم في الانتاج الزراعي والصناعي والاقتصادي، يجعل الماء مشكلة الساعة، بالنسبة لنا، ولكثير من الدول الأخرى. ومن هنا، وإدراكاً منّا لأهمية هذه المسألة الحيوية، اخترنا الكتاب الذي بين أيدينا، وعنوانه «الأمن المائي العربي.. بين الحاجات والمتطلبات» لننقب بين ثناياه ونستجلي معالمه ونضعه تحت منظار التقصّي، استئناساً بأفكاره، وهو يختلف عن باقي الكتب التي تتصدى للموضوع نفسه، في كون المعالجة القومية فيه تسير جنباً الى جنب مع المعالجة الاقتصادية، فالماء حسب منظار الكتّاب، هو مشكلة قومية بالدرجة الأولى واقتصادية بالدرجة الثانية.والدليل على ذلك انه على الرغم من احاطته بالأوضاع المائية في معظم الأقطار العربية، إلا انه ركّز تركيزا خاصا على حالات الضفة الغربية واسرائيل والدول العربية المحيطة بها، مثل سوريا ولبنان ومصر، مبرهنا بشكل خاص على ان حاجة الدولة العبرية الى المياه لارواء المستوطنات وصحراء النقب يدفعها إلى اتباع شتى الطرق ومختلف الوسائل لنهب المياه العربية واغتصاب ينابيعها ومجاريها، ناهيك باستخدامها سلاحا سياسيا لها في الضغط على العرب اثناء المفاوضات. وتتصدر الكتاب مقدمة المؤلف التي يبيّن فيها ان 15 دولة عربية ستكون خلال السنوات المقبلة من الألفية، تحت خط الفقر المائي، في حين ان ما يتوافر من المياه لكل فرد في اسرائيل، سيبلغ خمسة أضعاف استهلاك الفرد العربي، ومع ذلك، فإن وسائل إعلامها تشيع دائماً ترويجات كاذبة حول ما تعانيه من ندرة مائية. وهذه الملاحظة من جانب المؤلف ذكية، لأن كل من يستمع الى إذعة الدولة العبرية يشعر أن هناك هوّة واسعة وبونا شاسعا يفصلان بين النشرات الجوية الخاصة بهطول الأمطار، وبين المزاعم حول الحاجة إلى مزيد من المياه.وبعد المقدمة، نطالع مدخلا يرجع فيه المؤلف الى بطون التاريخ وغابر الأيام ليتقصى جذور السياسة المائية في الفكر الصهيوني، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالهجرة والاستيطان. فمنذ تأسيس الحركة السياسية الصهيونية على يد تيودور هرتزل، ومرورا بالمؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية في شهر أغسطس من عام 1897، وحتى اليوم، واسرائيل تحاول الاستيطان في المناطق الخصبة مائيا. ويستشهد المؤلف بقول حاييم وايمان الرئيس السابق لاسرائيل: «ان المجهودات الصهيونية تم توجيهها منذ مطلع القرن العشرين نحو الاستيلاء على الأراضي الخصبة الواقعة في شمال فلسطين، والقريبة من مصادر المياه». وقد قدّم الانجليز خلال عهد الانتداب في فلسطين، يد المساعدة لليهود في أطماعهم المائية. وأحد الادلة على ذلك، قول الجنرال تشارلز وارن في عام 1875: «إن بالامكان اسكان 5 ملايين نسمة في فلسطين، ولاسيما إذا أمكن نقل بعض كميات المياه الموفورة في شمالها الى النقب». وكذلك بقول الصهيوني فليس رعنان في كتابه «حدود أمة»: «لما كانت المنظمة الصهيونية تهدف الى جمع أكبر عدد من الناس في أرض محدودة المساحة، فإن من الواجب وضع مخططات واسعة للري، ولما كانت الموارد المائية محدودة في فلسطين، فلابد من الوصول الى منابع الأردن ونهر الليطاني وثلوج حرمون واليرموك وكذلك نهر الجايوك». ومنذ عام 1967 بدأت اسرائيل في اتباع سياسة استيطانية عدوانية في الجولان وشمال فلسطين، وفي بحيرة طبرية، مما زاد من حاجتها الى المياه. ويتحدث المؤلف عن مصادر المياه والأنهار والينابيع والآبار الارتوازية والأودية، بالاضافة الى المياه الجوفية ويخلص الى الاستنتاج بأن الفلسطينيين قادرون على الاكتفاء ذاتيا من المياه على مدى السنوات العشرين المقبلة في حال حصولهم على كافة حقوقهم المائية. ويهتم المؤلف بالبرهنة على الأطماع الصهيونية المائية والتي تتجلى في نهب مياه طبرية وتحويل مياه نهري الاردن والحاصباني ونبع الوزاني، ناهيك عن اغتصاب 400 مليون متر مكعب من مياه الجولان سنويا.ويتعرض الى ما تقوم به تركيا من مشروعات لحجب مياه نهر الفرات عن سوريا والعراق.ويذكر المؤلف في هذا المجال 12 مشروعا، أهمها: سد أتاتورك، وهو يتهم ايضا أثيوبيا بوضع الخطط لاقامة سدود على مجرى النيل، كما ان اسرائيل نفسها تحلم منذ زمن طويل بامكانية تحويل بعض مياه النيل من أجل ارواء صحراء النقب.ولعل هذا يفسّر لنا أسباب العلاقات الوثيقة بين تركيا واثيوبيا من جهة، واسرائيل من جهة ثانية.وهكذا نجد ان مياه الدول العربية المحيطة باسرائيل، أي سوريا والاردن ولبنان ومصر، بالاضافة الى الضفة الغربية مهددة على الدوام بالسلب والاغتصاب من جانب اسرائيل وبعض الدول الاخرى. كما ان مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين شهدت تشكيل لجنة خاصة للمياه، سواء في المفاوضات الثنائية أو في المباحثات متعددة الأطراف. وقد تبين من خلال كل ما جرى ان اسرائيل أصبحت تفضّل المياه، حتى على الحدود الآمنة، الأمر الذي يجعل المشكلة المائية قنبلة موقوتة لا تهدد مباحثات السلام فحسب، وإنما تنذر بحرب شاملة بين اسرائيل والعرب. ويلقي المؤلف أضواء خاطفة على الأوضاع المائية في بعض الدول العربية، مبينا ان عدم توافر الأمن المائي فيها يؤدي الى الجفاف والمجاعة وسوء التغذية والانهيار الزراعي والتصحر. ويعرّج الكتاب في فصل خاص على اقتراح البنك الدولي اقامة شراكة بشأن المياه في الشرق الأوسط وشمال افريقيا بهدف تنسيق الجهود وتنشيطها في قطاع المياه، وسيقدم هذا البنك مساعدات فنية وائتمانات وضمانات وقروض من أجل إنجاح الشراكة المقترحة. والأهداف بعيدة المدى المتوخاة من ذلك هي: أـ تحسين كفاءة استخدام المياه، وتخفيض نصيب الفرد من معدلات الاستخراج للمياه الخام الى مستويات قابلة للاستمرار. ب ـ جعل قطاع المياه قادراً على التحويل الذاتي. ج ـ ضمان ثبات إمداد المياه الى أكبر عدد ممكن من المستهلكين. ولا يفوت المؤلف ان يكرس قسما من كتابه لأزمة المياه في دول مجلس التعاون الخليجي التي ترتبط مع بعضها بعضا بمشاريع مياه جوفية تهدف الى مواجهة النقص في هذه المياه. وتسعى الدول المذكورة الى اتخاذ تدابير واجراءات جديدة من شأنها التخفيف من أزمة المياه، وقد جاء في أحد التقارير الاقتصادية: «ان الضغوط تزداد على محطات تحلية المياه المقامة على الشاطيء العربي لدول الخليج، مما ينذر بمشكلات بيئية تتمثل في ارتفاع نسبة الأملاح المرتجعة من عمليات تحلية مياه البحر». وتسعى بعض الدول الخليجية الى مراجعة أساليبها وطرائقها المتبعة في توزيع ما لديها من مياه صالحة تم انتاجها بواسطة محطاتها للتحلية. وقد بادرت دول مثل البحرين وقطر الى تقنين ووقف الضخ الليلي للشبكات المائية لعدة ساعات. وهناك من بدأ يحذّر من ان نقص المياه سيخلق جواً مشحوناً على المستوى الاقليمي. وهكذا نجد ان الخبير الاقتصادي عبدالقادر المخادمي مؤلف الكتاب الذي عرضنا معظم أفكاره وخطوطه الرئيسية، قد اختار ان يطرق الموضوع من الزوايا السياسية والقومية، بالاضافة الى الجوانب الاقتصادية والتقانية. والنتيجة الجوهرية التي نستطيع ان نخلص اليها هي ان المسألة المائية باتت اليوم من أهم المشكلات التي تجثم على كواهل العرب بسبب أبعادها القومية، وسعي بعض الدول، ومنها اسرائيل، الى اغتصاب جزء من المياه العربية، ناهيك عن قلة الأمطار وشحها في السنوات الأخيرة. وفي حالة تجاوز المرحلة الحالية الصعبة في العلاقات بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وبالتالي استئناف مفاوضات السلام فإن الموضوع المائي سوف يشكل بنداً بالغ الأهمية في جدول أعمال المفاوضات المحتملة القادمة. ـ كاتب سوري