بيروت.. 1982. وبيروت.. 2002. عشرون سنة على طريق الصراع العربي الاسرائيلي.. فهل تغيرت الصورة؟ بقليل من التفاؤل نستطيع ان نقول «نعم». ولننظر في المعالم التي برزت على الطريق لمدى هذين العقدين. في صيف عام 1982 كان الجبروت الاسرائيلي قد بلغ اعلى ذراه.. والتحالف الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة وصل الى اعلى مراتبه فقبل ثلاث سنوات فقط من ذلك التاريخ كانت اسرائيل قد أنجزت اول اختراق دبلوماسي لها في العالم العربي منذ قيامها في عام 1948، بالتوصل الى أول معاهدة سلام مع طرف عربي. واذا كانت معاهدة كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر اقترنت تاريخيا بعزل مصر السادات عربيا، فانها يجب ان تذكر بالمستوى نفسه بأنها هي التي أتاحت للدولة الاسرائيلية للمرة الاولى في تاريخ الصراع احتلال عاصمة عربية. فلم يكن من المتصور فضلا عن المتاح ان تفكر اسرائيل في خطة اجتياح لبنان وتنطلق من الحدود اللبنانية المخترقة صوب العاصمة بيروت، قبل ان تنجح اولا في تحييد اكبر دولة عربية عبر معاهدة سلام. لكن ليس معنى ذلك ان مصر السادات كانت وحدها المسئولة عن الغزو الاسرائيلي للبنان. ذلك ان كافة الدول العربية الأخرى اتخذت موقف التفرج السلبي وهي ترى جحافل وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك ارييل شارون تجتاح الاراضي اللبنانية نهارا جهارا. وظلت العواصم العربية تواصل التفرج وهي ترى ان الغزو الاسرائيلي يفرز في نهاية فصوله الهدفين الاسرائيليين المقررين سلفا: طرد عرفات وقوات الثورة الفلسطينية من لبنان، والمحافظة على «شريط حدودي» في الجنوب اللبناني كناية عن احتلال جزئي. هذا الفعل الاسرائيلي الكبير كان من المحتم ان يفرز رد فعل عربيا بحجمه وتأثيره. وعلى طريق العشرين عاما الاخيرة تبرز اشارات مضيئة. فخلال بضع سنين فقط من ختام عملية الاجتياح الاسرائيلي، خرج الى حيز الوجود «حزب الله» كأقوى تنظيم عربي للمقاومة المسلحة. ونعلم الان ان ظهور منظمة «حزب الله» كان ايذانا ببداية العد التنازلي لنهاية الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني وانطواء صفحة «الشريط الحدودي». ونعلم كذلك ان «حزب الله» صار في مدى بضع سنين من ظهوره وانخراطه في ملحمته النضالية المظفرة نموذجا يحتذى به. فقفز الى حيز الوجود تنظيم «حماس» الفلسطيني مبتدرا الانتفاضة الفلسطينية الاولى التي انطلقت عام 1987. لكن الانتفاضة الاولى كما نعلم اصيبت بانتكاسة. فقد تعجلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من مقرها الخارجي في تونس قطف الثمرة السياسية قبل ان تنضج. وحل ذلك المناخ الذي أفرزته حرب الخليج الثانية ليدفع منظمة التحرير على الانزلاق في طريق المساومة السياسية مما أفضى بها الى محطة «اوسلو» سيئة الصيت. وبموجب اوسلو عاد الطاقم القيادي لمنظمة التحرير الى الارض المحتلة ليتحول الى «السلطة الوطنية الفلسطينية». وانسلخت سبع سنين من عهد سلطة الحكم الذاتي قبل ان يدرك الشعب الفلسطيني ان انتفاضته بيعت، ليس مقابل ثمن بخس، بل بلا ثمن على الاطلاق. ولكن من خيبة الامل العظمى هذه ولدت الانتفاضة الثانية. والان وبعد عشرين سنة من الاجتياح الاسرائيلي للبنان لاقتلاع الوجود النضالي الفلسطيني في الارض اللبنانية من جذوره، تبدلت الصورة. للمرة الاولى اضحت اسرائيل في موقف الدفاع عن البقاء عوضا عن موقف الهجوم. فقد دخل النضال الفلسطيني للسمرة الاولى مرحلة الكفاح المسلح بما في ذلك القنابل البشرية. وشتان بين الامس واليوم.