نشأ المسرح عند اليونان الأقدمين تحت خيمة كبرى كان الاغريق ينصبونها في ساحات السوق الكبيرة وسط عاصمتهم أثينا - ساحة الفورم (بفتح الراء) كما كانوا يسمونها، وتحت الخيمة كانت تتوالى مشاهد المسرحية سواء كانت تراجيديا عند سوفوكليس تستدر الدموع من المآقي أو تبعث في نفوس المشاهدين مشاعر من الشفقة والرعب واحساس التطهر من الخطايا والذنوب كما قال ارسطو - أو كانت ملهاة يبدعها اريستوفان فإذا بضحكات المشاهدين تتردد في جنبات خيمة المسرح الواسعة التي كانوا يعرفونها في لغتهم بأنها (السكينا) التي نقلها الرومان من بعد في لغتهم اللاتينية بعد اسكات صوت الكاف فإذا بها (السينا) وهي اللقطة - الأم كما قد نسميها التي تولدت من رحمها سائر الألفاظ الدالة على مشاهد المسرح وفصول العمل الدرامي. ومنها ايضا عرفت اللغة الايطالية المحدثة لفظة السيناريو التي باتت تنصرف - كما يقول معجم اكسفورد للغة الانجليزية الى اثنين من المعاني والاغراض ـ الأول هو المعنى المأهول الذي المحنا اليه ـ أي مخطط حكاية المسرحية أو الأوبرا أو الفيلم السينمائي بمايحويه من تفاصيل الأحداث وتحريك الشخص وتسلسل المواقف التي توصل بالطبع الى ذروة الأزمة أو الجملة الدرامية التي تأخذ بألباب المشاهدين.. الثاني وهو المعنى المستجد في زماننا وقد شق طريقه الى مضمار السياسة ودنيا التجارة وميادين الأعمال والاقتصاد ومزارع ساحات الحرب الاستراتيجية وفي هذا الصدد يحرص معجم اكسفورد، وهو حجة في هذا الباب، على الاشارة الى ان هذا المعنى يربط دوما بين السيناريو وبين المستقبل. السيناريو يتسكع وهذا هو بالضبط المعنى الذي نقصد الى التعرض له في سطور هذا المبحث والحق ان مصطلح السيناريو ظل يتسكع منتظرا على أبواب دوائر الترجمة العربية في المنظومة الدولية للأمم المتحدة سنوات عديدة حيث كان المخضرمون من مترجمي المدرسة الكلاسيكية يتوقون استخدامه في ترجماتهم للنصوص الدولية وقد يفضلون عليه مثلا مصطلح التصور أو التصورات بدلا من السيناريو والسيناريوهات، ولكن لأن اللغة مثل أي كائن حي تتبع نواميس التطور الموضوعية التي تتجاوز ارادة البشر وتفضيلات البشر وأذواق البشر.. فقد جاء عقد الثمانينيات من القرن الماضي ليرحب بادخال مصطلح السيناريو في علم التخطيط وعلوم المستقبليات ولو على استحياء في البداية وبعدها على الرحب والسعة اللغوية فيما تمت احالة لفظة التصور والتصورات الى التقاعد، وشكر الله سعيها الذي لم يدم في هذا المضمار سوى عقود قليلة ربما بدأت منذ الخمسينيات. .. وجاء عقد الأربعينيات والحق نقول ايضا ان كلمة سيناريو كانت واردة في متن اللغات الأوروبية الرئيسية على امتداد قرون من الزمن لم يجر استدعاؤها كي تضطلع بمعنى التخطيط المستقبلي الا في عقد الاربعينيات من القرن الذي مضى وبالتحديد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وفي غمار أتون تلك الحرب الضروس التي دامت - كما تعرف - ست سنوات قد تقل وقد تزيد، عكف المخططون العسكريون على توليد سيناريوهات (هي في الأصل تصورات تقوم على الجمع بين خيال العالم الاحصائي وحسابات الخبير الدارس للشئون الاستراتيجية في المجال العسكري بكل فروعه واهتماماته) وكان الهدف اساسا هو: رسم التحركات البديلة التي قد يقوم عليها عدو محتمل في هذا الموقع أو ذاك. وبعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها كان قد نشأ فريق من أساتذة نبغوا في فن السيناريو الاستراتيجي ممن حملوا نبوغهم هذا على كواهلهم ونزحوا به من دنيا العسكرية الى صفوف الحكومات وإلى أنشطة القطاعين العام والخاص على السواء. وهنالك دعت الحاجة الى بلورة، فكرة ومصطلح السيناريو بهذا المعنى الذي يختلف بداهة عن المعنى الذي يستخدمه أهل المسرح بل أهل الفن السينمائي على وجه الخصوص ويطلقون عليه اسم النص المكتوب للفيلم المطلوب تصويره أو (السكريبت). ما هو السيناريو؟ وفي عام 1976 طرح الأستاذ جومارتينو تعريفا مبسطا للسيناريو حين قال: انه أسلوب يستخدم لفحص الاتساق (التسلسل الموضوعي والمنطقي) الذي يربط بين مجموعة أو سلسلة من التنبؤات المطروحة بصورة منفصلة عن بعضها البعض ومن ثم يصبح السيناريو هو عملية اغناء بالتفاصيل لقائمة من الأحداث التي نرسمها مجردة ثم نضفي عليها هذه التفاصيل وكأننا نكسو عظامها لحما. وبصورة أبسط عمد واضعو السيناريوهات في مجالات التخطيط والتنمية والسياسة بشكل عام الى التوجه أساسا الى العميل ـ الزبون الذي يريد فهم حكاية السيناريو هذه.. وفي هذا السياق يبادرونه قائلين: ـ ان اردت رسم سيناريو (للشركة التي تنوي تأسيسها أو للخطة السياسية التي تبغي تنفيذها.. الخ) فما عليك سوى ان تتظاهر بادئ ذي بدء بأنك في سبيل انتاج أو اخراج فيلم حول موضوع ما.. ذلك لأن الأفلام تحكي قصة تقصد إلى جذب الخيال والتماس سبل جديدة مبتكرة لرؤية العالم.. وسواء استخدم الناس مدركات من صنع خيالهم أو ابتغوا في هذا السيناريو نماذج احصائية مستندة الى حسابات وأرقام، فإن الهدف في كل حال هو: أن نتصور على نحو أفضل النتائج المتوقعة لما نحن مقدمون عليه ومن ثم نعمد الى مقارنة هذه النتائج بطريقة عملية وراشدة وموضوعية مع الأهداف التي نكون قد ارسيناها بالفعل ومع الغايات التي نكون قد رسمناها من أجل ادراكها.. ونحن في كل هذا انما نتوخى النظر الى تلك الأهداف والغايات بعين متجددة.. مسلحة بمزيد متجدد بدوره من اليقظة أو اللماحية والانتباه.. فضلا عن ان ننظر اليها في سياق أعرض وأوسع نطاقا من خلال مستوى جديد من التفاصيل. اخطاء الزعيم ستالين واذا كان فن السيناريو الاستراتيجي قد نشأ وسط لهيب الحرب العالمية الثانية، فإن ظروف تلك الحرب كانت بدورها بوتقة انصهرت في اطارها ومن ثم خرجت من محصلاتها دروس مستفادة مازال راسمو السيناريوهات يضعونها نصب أعينهم ومن أبلغ هذه الدروس اهمية التحذير من الاستسلام لاغراء الوقوف - الى حد الثبات حتى لا نقول الجمود - عند العوامل الداخلية التي قد تحول بين الزعيم السياسي أو القائد العسكري وبين ان يأخذ العوامل الخارجية في الحسبان. في هذا السياق بالذات نحيل الى الاستاذ (تيموثي ماك) مدير البحوث في مؤسسة التخطيط الاستراتيجي وهي مؤسسة استشارات خاصة في العاصمة الأمريكية واشنطن وهو يورد مثلا على مانقول حين تفاوض الزعيم السوفييتي الشهير جوزيف ستالين من أجل توقيع معاهدة صداقة أو تحالف سرية مع هتلر. وقد تجسد خطأ ستالين في أن وضع في حسبانه العوامل الداخلية في روسيا وفي ألمانيا دون ان يحسب حسابا - من خلال تصورات أو سيناريو مستقبلي لاثر التطورات الخارجية التي كان يمكن ان تستجد وتطرأ فتأتي بعوامل تؤدي إلى تغيير معطيات هذا التحالف الروسي - الألماني بمعنى تبديل قواعد اللعبة. يقول الباحث الأمريكي: ان ستالين تجاهل 84 مؤشرا كانت موجودة في طيات الوضع الذي كان سائدا وكان من شأن تدارسها واستيعابها ضمن سيناريو مستقبلي ان يضع الكرملين الشيوعي أيامها في وارد التنبؤ أو التحسب لاقدام ألمانيا - الهتلرية على قلب المائدة واعلان الحرب على روسيا وهو ماحدث بالفعل.. وكان من بين هذه المؤشرات - على سبيل المثال ليس الا - قرار الرايخ الألماني المفاجئ بوقف عمليات جميع السفن التجارية الألمانية وقرار برلين بسحب عائلات الدبلوماسيين الألمان وترحيلهم من موسكو بين عشية وضحاها. ولأمر ما.. لم يضع الكرملين مثل هذه الأحداث في حساباته.. ولامر ما شاء مخططوه ان يتجاهلوا - أو يصرفوا النظر أو أن يكونوا حسنى النية ازاء مثل هذه المؤشرات.. ومن ثم دفعت بلادهم الثمن غاليا.. حين تجاهل هتلر معاهدة الصداقة وأعلن عملية باربروسا زحفا الى الشرق نحو اراضي روسيا حيث استولت قواته الغازية على بولندا ومنها زحفت الى حدود روسيا التي دفعت ذلك الثمن الفادح لأن قيادتها لم تحسن رسم تصورات المستقبل - لم تحسن بناء السيناريو المطلوب كما يقول التعبير المستخدم في هذا المجال. 3 قواعد ذهبية وفي كل حال يقول الاختصاصيون ان بناء السيناريو يستند الى ثلاث قواعد ذهبية جوهرية وبسيطة في آن معا وهي: أولا أن تبدأ بتحديد بالغ الوضوح للمشكلة - القضية التي تبغي معالجتها. ثانيا ان تبدأ مستندا الى مجال واسع للرؤية بمعنى ضرورة ان لا تقتصر رؤيتنا على ادراك ماهو كائن بحد ذاته بل تتعدى ذلك الى ادراك وتفهم العلاقات المترابطة بين الظواهر والأحداث. في هذا السياق يضرب علماء المستقبليات مثلا من أزمة البترول التي وقعت في أوائل عقد السبعينيات وجاءت في أعقاب حرب أكتوبر - تشرين العربية الاسرائيلية عام 1973 أن هذه الأزمة بدأت بالطبع بالتأثير على صناعة النفط في العالم ولكن لواحقها - أو توابعها تعدت مجال البترول لتؤثر على صناعة السيارات التي شهدت انخفاضا في الطلب وبعدها اثرت على صناعة البناء والتشييد التي تضررت من جراء فرض قيود على قروض الاسكان وقد جاءت تلك القيود بسبب توجس البنوك ومؤسسات الاقراض ازاء التوقعات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة ومن مجال البناء تحول التأثير الى صناعة الحديد والصلب ومن كل هذه المجالات - على اختلافها - تأثرت مجالات عديدة في غاية التباين مابين الأعمال والمشاريع التجارية الصغيرة، الى الأسر المعيشية الى ارتفاع معدلات البطالة.. ثم وصل الأمر الى مضمار السياسة.. بمعنى أن بدأت المسألة من برميل البترول ومالبثت ان تشكلت وتحولت وتطورت واتخذت اشكالا وصيغا شتى لتصل الى غرف العمليات السياسية والدبلوماسية، وربما الاستراتيجية والعسكرية في مواقع مختلفة من خريطة العالم.. ثالثا على واضع السيناريو ان يرسم لنفسه أو لخطته، أهدافا غاية في الطموح وفي هذا الخصوص ينصح أهل العلم بالموضوع بعبارة تقول في ايجاز شديد وبليغ: من فضلك وسع آفاق تفكيرك الى أقصى حدود الاستطاعة، وصفوة الأمر كما يلخصها الاستاذ تيموثي ماك هي: ـ ان الهدف من وضع سيناريوهات التنبؤ بتطورات المستقبل ليس بالطبع خلق أو ابتداع شكل كامل ولا أوضاع غاية في الدقة ولا تنطوي على صحة مطلقة ولا اصداء أحكام مطلقة بالنسبة لما عسى ان ينطوي عليه هذا المستقبل: إن هدف أي سيناريو مرسوم في الحاضر هو أن يظل الناس مفتوحي العيون والانتباه ازاء مايستجد على هذا الحاضر من تطورات بحيث تحاط حياتهم وأفعالهم وتصرفاتهم بأقصى قدر من الوعي الرشيد والادراك لما يحوطهم من ازمات وأخطار. مقاومة صراع الدمار النووي وفي ضوء ماسبق نشأت مدارس رسم سيناريوهات التطور والنمو المستقبلي، وكان رائدها العالم الأمريكي كاهن (عام 1940) الذي عمل في مؤسسة راند للدراسات والبحوث وهو أول من طرح الشعار المعروف: (المستقبل - الآن). وهو يرادف بالطبع الحض على التفكير المستقبلي من منطلق أرضية الحاضر وهو أيضا أول من تلفت حوله في عقد الخمسينيات بحثا عن مصطلح يدل على هذا النمط من التفكير ثم وجد بغيته في نص التشخيص السينمائي الذي كانت هوليوود قد اطلقت عليه اسم (السيناريو) ثم مالبثت حاضرة السينما منذ سنوات العقد المذكور تخلت عنه لحساب المصطلح المستخدم حاليا وهو (المعالجة على الشاشة أو المعالجة السينمائية ) سكرين بلاي.. وهكذا تركوا مصطلح السيناريو لأهل التخطيط الاستراتيجي الطويل الأجل يستخدمونه ويطبقونه على المجالات المدنية والعسكرية وكان أول استخدام للمصطلح في عام 1963 حين بدأ العالم وقتها يدرك خطورة استخدام الأسلحة النووية ومن ثم ذاعت الدعوة الى وضع السيناريوهات التي تبدأ بالعبارة الخطيرة التي تقول: ماذا لو اندلعت حرب نووية؟ أو تقول: ماذا لو تحولت الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن وقتها - الى صراع عسكري تستخدم فيه أسلحة الدمار الشامل.. وماهي العواقب والعقابيل المتوقعة وانعكاساتها على الحياة البشرية فوق كوكب الأرض؟ هنالك كان العلماء يتصورون ان رسم تلك السيناريوهات التي تجمع بين تحليق الخيال وبين الحقائق العلمية والعسكرية المستقرة والمثبتة على أرض الواقع كفيل بتبشيع مغبة استخدام أسلحة الدمار في ذهنية الساسة والعسكر والرأي العام العالمي وكان الشق وقتها هو: ـ دعونا نفكر فيما لا يجوز التفكير فيه وحين أصدر العالمان فينر وكاهن تقريرهما المستقبلي الشهير عام 1967 وكان عنوانه (عام 2000) جذبت هذه الدراسة اهتمام كبرى الشركات العملاقة في أمريكا والعالم وكان في مقدمتها شركة (شل للبترول) وفي هذا السياق تقول دراسة منشورة فصلية بحوث المستقبل (عدد صيف 2001) وهو أحدث اعدادها الصادرة: منذ عام 1967 شرعت شركة (شل) في التخطيط لاحتمالات عام 2000 وعندما اندلعت حرب الغفران (حرب أكتوبر - رمضان 1973) كانت شل مستعدة للموقف (بالنسبة لأسعار البترول) واستندت مكانتها القيادية في هذا المجال الى مقدرتها على التصرف بسرعة وهي قدرة واتتها بفضل تطبيقها الشعارات التي كانت تحض على بدء التفكير في المستقبل من أعتاب الحاضر، ثم على أن تمارس التفكير فيما يصعب وقد لا يجوز التفكير فيه. ـ كاتب سياسي من مصر