عرفت صلاح عبدالصبور معرفة شخصية في سنوات السبعينيات، وتزايدت هذه المعرفة الى أن وصلت ذروتها مع مطلع الثمانينيات الى يوم وفاته. وكانت البداية دراسة قمت بها بعنوان (تطور الوزن والايقاع في شعر صلاح عبدالصبور). وهي دراسة استقبلها يحيى حقي ـ عليه رحمة الله ـ استقبالا حماسيا، وصدرت في عدد فبراير سنة 1969 من مجلة (المجلة) التي كان يرأس تحريرها. ودفعني حسن ظنه وجميل تشجيعه على أن أنشر في عدد لاحق مقالا عن كتاب (حياتي في الشعر) لصلاح عبدالصبور وكنت قد فرغت من مناقشة اطروحتي للماجستير سنة 1969، وبدأت العمل في اطروحة الدكتوراه. ويبدو أن نشر مقالين عن شعر صلاح عبدالصبور في وقت متقارب لشاب جديد، لفت انتباهه، وكان وقتها يتولى الاشراف على النشر في الهيئة المصرية العامة للكتاب التي كانت تتولى رئاستها استاذتي سهير القلماوي. ولعله حدث استاذتي عما كتبته، فقد طلبت مني التعرف عليه شخصيا وامتدحته بما يغريني على مقابلته في مكتبه. وكنت إلى ذلك الوقت أكتفي بالاستماع اليه في الجمعية الأدبية، ولا أقترب منه خجلا أو فرارا من مظنة التقرب للفائدة. ويبدو انه سأل زميلي حسن توفيق الذي كان يعمل معه في مكتبه عني، فدفعني حسن إلى زيارته، ولم يتركني الا بعد أن صحبني اليه. واستقبلني رحمه الله استقبالا حاشدا أخجلني وأربكني، ويبدو انه لاحظ ذلك فانتقل الى أحاديث الثقافة، وخاض في خلافه مع النقاد الشيوعيين الذين لم يكن يرضى عن تصلبهم الاعتقادي، مع انه بدأ كتابة الشعر متأثرا بالماركسية التي ظهرت آثارها على بعض قصائد (الناس في بلادي) ولكنه سرعان ما هجر الماركسية الى الوجودية، واستبدل بالمجتمع الإنسان، وبالانحياز الى طبقة بعينها الانحياز الى جوهر حضور الإنسان الذي يكتمل وجوده بقيمتي الحرية والعدل. ووجدتني أوافقه على ما ذهب اليه، فقد كنت بدوري نافرا من التصلب الاعتقادي في النقد، وأكره ـ ولا أزال ـ تصنيف المبدعين حسب الشعارات السياسية، بعيدا عن جوهر الابداع الخالص وتقنياته المائزة التي تجعل منه ابداعا. وانتقل الحديث الى جبهة أخرى، هي جبهة الشباب التي عدني منها، وكان كتاب الستينيات أصدروا (جاليري 1968) وكان الكثيرون، وأنا منهم، يتحدثون عن كتابة جديدة، وابداع جديد. وكانت قصيدة أمل دنقل، الى جانب قصيدة محمد عفيفي مطر، فضلا عن كتابات بهاء طاهر والغيطاني والقعيد وعبدالحكيم قاسم وصنع الله ابراهيم وغيرهم تعرض في حديثه، بوصفها وعدا جديدا للكتابة. صحيح انه ظل على اقتناعه بانتسابهم الى جذرية يوسف ادريس في الكتابة، والى عوالم نجيب محفوظ، ولكنه كان يلمح الوعود الجديدة التي دفعت الغيطاني ـ مثلا ـ الى الاستعانة بالتراث، خصوصا قصته القصيرة التي أحبها وكتب عنها، وهي قصة (هداية أهل الورى لبعض ما جرى في المقشرة). وفي الوقت نفسه، لم يكن يعترض على الافادة من تقنيات (الرواية الجديدة) في فرنسا، شريطة أن تكون هذه الافادة على طريقة اعادة الانتاج التي تنطلق من اسئلة الكاتب الخاصة، وهمومه الفعلية التي ترتبط بوعيه بشروط اللحظة التي يعيشها. وخرجت من هذه المقابلة صديقا لصلاح عبدالصبور، ومدركا أمرين أساسيين: أولهما: ثقافته الموسوعية المذهلة التي كانت تبين عن نهم استثنائي في تحصيل معرفي لم أره عند شاعر معاصر الا أدونيس. ومع ذلك، فالفرق بين ثقافة صلاح وأدونيس كبير جدا، فصلاح لا ينحاز الى الشعر وحده في قراءاته، ويقرأ الرواية والمسرح ويتابعهما متابعة غير عادية، كما يقرأ في مجالات المعارف الإنسانية والاجتماعية ما يجعله يتسم بصفة الناقد ذي الاهتمامات المتعددة على نحو ما تظهر كتبه العديدة في النقد الأدبي. وكانت معرفته بالانجليزية التي أتقنها ـ الى جانب المام بالفرنسية وبعض الفارسية ـ تتيح له الانفتاح على ما لم يكن ينفتح عليه غيره، وتمكنه من أن ينقل الى القارئ العربي بواسطة الترجمة ما يكشف عن ذوقه الابداعي ويتجاوب مع رؤيته للعالم. وثانيهما: روحه الإنسانية العذبة والسمحة، إذ لم أسمعه يذكر أحداً بسوء في هذه الجلسة، ولا حتى في بقية الجلسات التي ضمتنا بعد ذلك على امتداد سنوات، فكانت لغته في اختلافاته مع الآخرين لغة راقية الى أبعد حد، لا يندفع بحماقة في الخصومة مع أحد، ولا يتهور بالتحقير من شأن الآخرين ليعلي من شأن نفسه. وبقدر ما كانت نبرته هادئة، تخفي لا شك براكين حساسية ذاتية مطمورة، كانت هذه النبرة الوجه الآخر من عقلانيته التي كانت علامته في الإبداع الذي ظل يرى الجمال في النظام، وينفر من الفوضى. وأتصور أن هذه العقلانية مقرونة بالسماحة التي كانت مظهر ثقة بالنفس، واعتزاز بالمعرفة، كما كانت في الوقت نفسه علامة على رغبة التحصيل التي لم تتوقف. واستمرت صلتي بعد ذلك بصلاح عبدالصبور، ظللت ألقاه في الجمعية الأدبية المصرية التي أصبحت عضوا جديدا فيها، مع أمل دنقل، بعد تعزيز فاروق خورشيد وصلاح عبدالصبور، كما كنت أراه في مكتبه بين الحين والحين، في صحبة مجموعة أو أخرى من كتاب الستينيات الذين سرعان ما أصبحوا أصدقاء. وكان يخصني بمعلومات عن كتب جديدة تتصل بأطروحتي في الدكتوراه التي فرغت منها سنة 1973، أو تتصل باهتماماتي البحثية اللاحقة، وظلت الصلة ممتدة، زادها الهجوم الذي كنت أراه ظالما لا يليق به. ولذلك لم أتردد في الاستجابة إلى دعوته للكتابة في مجلة (الكاتب) حين رأس تحريرها. وأشهد انه كان على درجة عالية من احترام حق الاختلاف، فنشر تعقيبا لي على ما كانت تنشره (الكاتب) من شعر بعنوان (حالة وخم شعري) أشرت فيه الى انطباق الوخم على شعره، وكان ذلك في عدد نوفمبر سنة 1975. ولم تنقطع صلتي بصلاح عبدالصبور الا بسبب ذهابي الى الولايات المتحدة الأمريكية للعمل في احدى جامعاتها، عندما عدت كان لا يزال في الهند مستشارا ثقافيا، وظل هناك الى أن عاد الى وطنه، وإلى مدينته القاهرة التي وصفها في قصيدته (أغنية للقاهرة) بقوله: أهواك يا مدينتي أهواك رغم أنني أنكرت في رحابك وأن طيري الأليف طار عني وأنني أعود، لا مأوى، ولا ملجأ أعود كي أشرب من عذابك صحيح أن صلاح سرعان ما وجد المنصب اللائق، وكان ذلك حين تولى الاشراف على هيئة الكتاب، محل الدكتور الشنيطي، وفتح أبوابها للأجيال الجديدة، وصحيح أن وزير الثقافة الجديد منصور حسن وضع ثقته فيه، وأتاح له أن يفعل ما يريد، ولكنه ظل بلا مأوى حنون على المستوى الشخصي، منطويا على جرح قديم لم يندمل بسبب زواجه الأول، ومتهما بلا جريمة في عواصف السياسة التي وضعت يده في يد نظام سياسي ظل يرفضه في أعماقه، ولكنه ما كان يستطيع أن يجاهر بالعداء، فظل محتميا وراء الأقنعة والكنايات والتمثيلات التي كشفت موقفه كالصدق العريان.