عقدت ندوات في الوطن العربي تناولت وضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية. والنهضة العربية في المجالات كلها ـ الاقتصادي والثقافي والحضاري والسياسي والعلمي ـ امنية العرب سنين كثيرة. ووضع مشروع حضاري لتحقيق نهضة عربية موضوع مهم جدا بالنسبة الى الامة العربية بسبب توقف حاضرنا ومستقبلنا ومصيرنا على تحقيق النهضة. ولأهمية الموضوع يجب تناوله بالتروي والحرص البالغ والحذر الشديد. حتى تكون النتيجة ـ اية نتيجة ـ سليمة يجب ان تكون البداية صحيحة. توجد تعريفات مختلفة لمختلف المفاهيم. ومن هذا المنطلق يتعين علينا ان نحدد لأنفسنا «الحضارة» و«النهضة» و«العربية» ينبغي لنا ان نحدد ما نقصد بهذه الكلمات، وان نحدد العلاقة بين الحضارة والثقافة وبين النهضة والبعث والتقدم. وينبغي ان نقوم بهذه التحديدات وفقا لمصالحنا، وان نحدد مصالحنا على المدى القريب والبعيد، وان تجرى دراسات جادة عن معايير تحديد المصالح. ومن شأن هذا التحديد ان يسهل وضع مشروع تحقيق هذه النهضة. وبالنظر الى تعدد الشعوب والدول العربية والى وجوه اختلاف الثقافة العربية ـ فضلا طبعا عن وجوه تشابهها ـ واختلاف التطورات التاريخية ـ فضلا عن حدوث تطورات تاريخية متشابهة ـ مما من شأنه ايضا ان يسهل وضع هذا المشروع هو ان يكون الاساس الفكري القيمي للمشروع واسعا حتى لا يضيق عن ان يتضمن التيارات الفكرية العربية المستلهمة للمصلحة العربية، وان يكون شاملا لكل تلك التيارات، ومنفتحا عليها، والا يكون الاساس قاصرا ولكن شاملا ومستوعبا ومراعيا والا يكون مقيدا (بكسر الياء) بل منطلقا، وان تتسم اسس ذلك المشروع بالتبادل والتحاور على المستوى الفكري في كل المجالات. المرونة الفكرية ولتسهيل وضع ذلك المشروع من اللازم ان يتحلى اصحاب التيارات الفكرية الايديولوجية الموجودة على الساحة العربية بقدر كبير من المرونة والواقعية الفكرية، ليتسنى للمجموع العربي التوصل الى اتفاق على اساس فكري ومصلحي مشترك. ويمكن لهذه المرونة الفكرية ان تكون لها تجلياتها، ومن هذه التجليات الا يعتقد اصحاب تيار فكري واحد ان تيارهم يتضمن كل الحقيقة والصواب وان التيارات الاخرى تفتقر افتقارا تاما الى الصواب ويعتورها العيب. ومن هذه التجليات ايضا ان يفترض اصحاب كل تيار احتمال خطأ بعض من تفكيرهم وان يتركوا هامشا لاحتمال صحة بعض من تفكير اصحاب تيارات اخرى. ومما من شأنه ان يسهل وضع ذلك المشروع على اسس فكرية وعقائدية متينة هو الميل، في تناول وضع هذا المشروع، الى قبول عبارات الضم والى رفض عبارات الاقتصار. بهذا المعنى ينبغي جعل عبارات من قبيل الانفتاح والانطلاق والمراعاة والتضمين والادخال والاشتراك والاتفاق وتوافق الآراء، من اسس محاولة وضع ذلك المشروع، وينبغي عدم جعل عبارات من قبيل الاستبعاد والاقتصار والطرد والنبذ والضيق والانغلاق والانكفاء والقسر والاملاء والاكراه من اسس هذه المحاولة. المشروع الحضاري القائم على اساس مفاهيم العبارات الاخيرة مشروع مبتور ناقص. ولتسهيل انجاز وضع المشروع الحضاري من اللازم الاتيان بصيغ فكرية تبين عدم التعارض بين مفاهيم قد تبدو متعارضة، ومن اللازم ان يكون التوجه توجها عمليا. فبالاضافة الى المناقشات المفيدة التي اجريت وينبغي ان تجرى حول وضع هذا المشروع، من اللازم اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. ومما ينبغي دراسته في اطار وضع هذا المشروع هو العلاقة بين العقل والعلم والدين والدولة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، والعلاقة بين التراث والاحياء والنهضة. وينبغي تناول التعاريف المختلفة لهذه المفاهيم والاتيان بصيغة مقبولة لتعريف كل من هذه المفاهيم. وللحضارة تعريفات مختلفة كما ان للنهضة تعاريف مختلفة. من اللازم ان يكون احد اهداف المناقشات التوصل الى صيغة اتفاق تتعلق بالتعريف الذي نختاره للحضارة والنهضة اللتين ننشدهما. وينبغي ايضا ان يكون تناول تحقيق المشروع الحضاري شاملا متوازنا من الناحية الجغرافية. ينبغي ان يشمل التناول كل انحاء الوطن العربي. ولا ينبغي الا يجري تناول هذا المشروع على نحو ينم عن ايلاء اهتمام اكبر لجزء من هذا الوطن وايلاء اهتمام اقل لجزء آخر منه. ومن اللازم ان نعبأ بتجارب جميع اجزاء هذا الوطن في محاولات تحقيق النهضة والحداثة والتقدم، وفي محاولات التصدي للعوامل المؤخرة او المبطئة والمانعة لتحقيق مزيد من التقدم من قبيل الفقر والامية وضعف الطبقة الوسطى. ولدى مناقشة العوامل المسهلة او المعرقلة لوضع المشروع الحضاري من اللازم مراعاة تعدد العوامل في نشوء الظواهر المواتية لوضع هذا المشروع او العوامل المعرقلة لهذا الوضع، ومراعاة التشابك بين العوامل الداخلية والخارجية. ولتحقيق وضع المشروع الحضاري ينبغي اقرار الحرية في ممارسة النقد الذاتي والاقرار بأهمية ممارسة هذا النقد في التعرف على العوامل الحقيقية في النهوض بهذا المشروع او في عرقلته. التجارب المستنسخة وينبغي للمتناولين لوضع هذا المشروع ان يعوا تاريخية الفكر وتاريخية طبيعة الظروف الاقتصادية والثقافية والسياسية وان ينطلقوا لدى محاولة وضع هذا المشروع من منطلق هذه التاريخية. فإذا فعلوا ذلك اتضح لهم ان طراز النهضة والحداثة في الغرب لن يماثل تماما طراز النهضة والحداثة الذي قد ينشأ في اية منطقة اخرى من العالم. وبالتالي، لا يمكن لطراز الحداثة الغربي ان يكون مناسبا تماما لحالة الوطن العربي طراز الحداثة في الوطن العربي ليس من شأنه ان يكون نسخة طبق الاصل عن طراز الحداثة الغربي. وحتى تكون الحداثة ناجحة في بلد من البلدان لا يجوز ولا يمكن فرض طرازها عليه، والنهضة الاوروبية لا يمكن استنساخها او استنباتها في اي مكان آخر. وبغية النجاح في محاولات وضع المشروع النهضوي من اللازم الابتعاد عن النزعة الرومانسية في تناول هذا المشروع. ومن الصفات المرافقة للرومانسية عدم اقامة الخطوات المتخذة على اساس علمي وواقعي مدروس والارتجال والاستخفاف بصعوبة المهمة التي يتعين انجازها. فوضع هذا المشروع وتحقيق النهضة والتقدم يتطلبان اتخاذ نهج اشد جدية من الموقف الرومانسي او الحالم الذي كلف اتخاذه ويكلف العرب غاليا من ناحية الوقت المنفق والاموال المنفقة وخيبة الامل والاحباط والحس بالمرارة.ومن السليم ان ندرس، ونحن نناقش المشروع النهضوي العربي، المشاريع الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي وضعها خصومنا وان ندرس الآثار المترتبة على هذه المشاريع في مشروعنا النهضوي. وبالنظر الى ان من الاسهل التوصل الى اتفاق على الطروح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الاكثر تجردا فمن الاكثر واقعية وافادة عند مناقشة المشروع النهضوي البدء بمناقشة الجوانب النظرية والمجردة لذلك المشروع، مع ارجاء مناقشة الجوانب الاكثر واقعية وتحديدا الى مراحل لاحقة. ومما له صلة بالطرح المجرد هو الطرح الشامل. وكلما كان الطرح اكثر تجردا كان اكثر شمولا. وما من شأنه ان يسهل وضع المشروع الحضاري الاتفاق على المفهوم الشامل، اذ بالاتفاق على مثل هذا المفهوم يمكن التفرع عنه الى افكار اكثر تفصيلا وتحديدا، ويكون هو بمثابة المفهوم المرشد الذي يفكر المفكرون على هديه. ولا مناص من ان ينطوي تناول المشروع الحضاري على تحليل وتفكيك المفاهيم ذات الصلة بالمشروع الحضاري، ومن هذه المفاهيم نشوء الطبقة الوسطى وديناميكية الابداع الفكري والتفكيك في المجال الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والديمقراطية السياسية والاجتماعية. والعدل اساس الملك. ومشروعنا الحضاري ينبغي ان ينهض على اساس مفاهيم العدل التي تتضمن ليس فقط الجانب السياسي ولكن ايضا جوانب الاقتصاد والمجتمع والمشاركة. ولتسهيل وضع المشروع الحضاري ينبغي ان يكون لدينا وعي بتراثنا العظيم الذي يتضمن العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية والفنون والفلسفة. فذلك الوعي من شأنه ان يمدنا بالثقة القوية بامتلاكنا القدرة على انجاز ذلك المشروع وعلى اضافة مداميك حضارية الى الصرح الحضاري الذي اسهمنا نحن العرب في تشييده اسهاما كبيرا. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة