يجد رئيس وزراء اسرائيل نفسه في وضع صعب امام ناخبيه اذ انه لم يحقق لهم ما وعدهم به في ايام حملته الانتخابية عندما قال لهم «إنني أحقق الامن لكم» واليوم ها هو يدخل الاسرائيليين في نفق مظلم، لا هو حقق الامن لهم، ولا هو تقدم خطوة في اتجاه السلام.. فشارون اصبح يتخبط في قراراته العشوائية، من جهة يقول انه لن يترك عرفات يغادر بيته ومن جهة يتراجع عن قراره ويقول ان عرفات حر في تحركاته. من جهة يتخذ قرارا باحتلال رام الله ومن جهة اخرى يعلن عن انسحابه. هذا هو شارون الذي ادخل المنطقة في رعب حقيقي وأصبح اعضاء حكومته غير راضين عن تصرفاته اللامسئولة، بل حتى الولايات المتحدة الامريكية ذاتها اصبحت لا تعرف كيف تتصرف معه، هل تتصرف مع شارون العسكري ام مع شارون السياسي ام مع شارون العجوز؟ وفي المقابل ها هي الانتفاضة تحقق المزيد من المكاسب السياسية والعسكرية وتخلق الرعب في صفوف العسكريين الاسرائيليين الذين بدأوا يتمردون على قيادتهم العسكرية. تقول الانباء ان المئات من العسكريين صاروا يرفضون العمل في المناطق الفلسطينية المحتلة، لسبب واحد هو انهم يتخوفون من الرد القاسي من عناصر كتائب الاقصى والجهاد الاسلامي الذين كبدوا الجيش الاسرائيلي خسائر فادحة في صفوفه. فإلى اين يذهب شارون بجيشه؟ للحقيقة ان شارون ينتحر سياسيا وهو يعيش آخر ايامه على هرم السلطة، واذا ما واصل سياساته وتعنته فإنه سوف يقلب الطاولة على رأسه، وهذا ما تريده المعارضة السياسية في اسرائيل بل حتى الولايات المتحدة الامريكية التي وجدت نفسها في موقف صعب لان شارون يظهر انه نسف كل ما بنته الادارة الامريكية السابقة، ولذلك راحت ترسل نائب الرئيس الامريكي ديك شيني لمحاولة اصلاح ما افسده شارون ولاعادة الامور الى نصابها، والعودة الى المفاوضات المباشرة لانها الطريق الاوحد لايقاف حالة اللااستقرار التي تعيشها المنطقة. انتحار سياسي واذا كانت السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة الامريكية قد فشلتا في اقناع شارون بالتعقل والعودة الى المفاوضات فإنه يمكن القول ان كتائب شهداء الاقصى التي أدرجتها امريكا ضمن قائمة الجماعات الارهابية، اعادت التوازن الى السلطة الفلسطينية وسوف تتحول مع الايام الى سند رئيسي للمفاوض الفلسطيني اذا قبلت اسرائيل العودة للمفاوضات، بل يتوقع ان اسرائيل لن يكون امامها خيار اخر مع تصاعد العمليات الفدائية الا العودة الى المفاوضات، وسوف تكون مرغمة على الاستجابة الى المطالب الفلسطينية تحت ضغط هذه العمليات، وهذا يزيد في اختراق نظرية الامن الاسرائيلي التي يفتخر بها الجيش الاسرائيلي الذي اصبح في وضع مهزوز بفعل قرارات شارون وسياسته الخاطئة، وما يؤكد ذلك هو تعيين شارون لرئيس اركان جديد «موشي يعلون» خلفا لـ «شاؤول موفاز» اي ان شارون اراد ان يرمي اخطاءه على رئيس اركانه السابق على اساس انه السبب المباشر في التخبط الذي يعيشه جيش اسرائيل. الرد الحاسم ومعنى ذلك ان اسرائيل تعيش في ازمة سياسية وامنية اوقعها فيها شارون، والمخرج الوحيد بالنسبة اليها هو اعادة صياغة سياسة جديدة حيال النزاع في الشرق الاوسط ترتكز على الدخول في حوار جدي وفاعل، ولكن مع الالتزام بما وقعته من اتفاقات وعهود سابقة مع السلطة الفلسطينية. وفي حالة التمادي في الاخطاء والتعنت والرفض للاتفاقات الموقعة، فانه سوف تتوسع الهوة بين الاسرائيليين الذين يطالبون بالامن وبين الحكومة والجيش التي تجد نفسها عاجزة عن تلبية مطالب الاسرائيليين. وكل هذا التخبط الذي يعيشه شارون وجيشه يعتبر مكسبا للسلطة الفلسطينية، فهي اعادت التوازن الذي افتقدته مع اسرائيل. فالانتفاضة والعمليات الفدائية هي الرد الحاسم على شارون، فقد اتضح ان شارون لا يفهم لغة السياسة والسلام وانما يفهم لغة القوة. والى ان يغير شارون من مواقفه ويتعامل مع الامر الواقع كسياسي لا كعسكري، فان استمرار تخبطه وفشله السياسي والامني سيصب في صالح القضية الفلسطينية التي زاد تعاطف العالم معها بشكل لا مثيل له. ـ كاتب جزائري