ما يمكن ان يميز قمة بيروت العربية عن سابقاتها من كل القمم العربية التي توالى انعقادها منذ ما يقارب نصف قرن ليس اجماع القادة العرب على مشروع سلام محدد البنود يعرض على اسرائيل، وانما هو ما اذا كانت القمة قادرة على تبني خطة تأديبية حازمة ضد اسرائيل في حال رفض الدولة اليهودية مشروع السلام المعروض. وليس بوسع القادة العرب ان يقولوا في اجتماع بيروت «لننتظر ونرى رد الفعل» او «لكل حادث حديث» .. فقد استبقت اسرائيل انعقاد القمة حين اعلن متحدث باسم رئيس الحكومة الاسرائيلية قبل بضعة ايام ان الموقف الاسرائيلي الثابت هو الانسحاب الجزئي وليس الكلي من الاراضي العربية المحتلة. ان المبادرة المعروضة على القمة لتتبناها جماعيا ترتكز بصورة اساسية على النص على انسحاب اسرائيلي كامل وغير منقوص من كل الاراضي التي جرى احتلالها في حرب 1967 ـ غزة والضفة والجولان ومناطق لبنانية. واذا كان من المفترض ضمنيا ان المبادرة على هذا النحو تعتمد على مرجعية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 لعام 1967 الذي ينص على الانسحاب الاسرائيلي فان لاسرائيل تفسيرها الذاتي الخاص لمدى صلاحية هذا القرار ليلائم خطتها التوسعية في الاراضي العربية ـ خاصة الضفة والجولان ـ هذا التفسير الذاتي اعاده الآن على اذهان القادة العرب المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي، وهو تفسير يعتمد على الحرفية اللفظية للقرار اذ ينص على الانسحاب من «اراض» عربية، وليس «الاراضي» العربية بحذف اداة التعريف «أل» رغم ان ديباجة القرار تنص على مبدأ عدم جواز احتلال اراضي الغير بالقوة المسلحة. لقد سكتت اسرائيل دهرا عن هذا التفسير السفسطائي لكنها ابقته على قيد الحياة في اجندتها السرية، والآن ومع انعقاد اجماع القادة العرب على مشروع سلام جاد ينص على الانسحاب الكامل غير المنقوص فان اسرائيل اضطرت للخروج عن سكوتها بأن اعادت الى الاذهان موقفها الثابت الذي يهدف الى الاحتفاظ باجزاء من الضفة والجولان. وبما ان هذا الاعلان الاسرائيلي الخطير صدر عشية انعقاد القمة فانه يجب ان يعتبر ردا اسرائيليا مبكرا على المبادرة العربية وهو رد سالب يعني رفض العرض العربي. ازاء هذا الرفض الاسرائيلي ليس متاحا امام القادة العرب في قمة بيروت تجاهل الخطوة التالية اذا ارادوا للمبادرة العربية ان تؤخذ مأخذ الجد ليس على المستوى الاسرائيلي فحسب، بل ايضا على المستوى الامريكي والمستوى الدولي والمستوى الشعبي العربي. ومن الواضح ان القادة الاسرائيليين يرجحون ان المبادرة العربية المعروضة ليست مسنودة بقوة عضلية. وبتوقيت اعلانهم برفض مبدأ الانسحاب الكامل ليتزامن مع عشية انعقاد قمة بيروت ربما ارادوا اختبار مدى صحة فرضيتهم هذه. لذا تتطلع الشعوب العربية الى القمة ليس تشوقا الى رؤية الاجماع العربي الرسمي يتبلور حول المبادرة ـ فهذا امر بات في حكم المفروغ منه ـ وانما ليعرفوا ما اذا كان للقادة العرب خطة تأديبية ذات اجراءات حازمة ورادعة في حالة ان اسرائيل قالت «لا» بالفم المليان عقب تبني القمة للمبادرة رسميا. ان مثل هذه الخطة التأديبية هي التي يمكن ان تجعل من قمة بيروت معلما تاريخيا بارزا ومضيئا في مسار الصراع العربي الاسرائيلي الطويل مما يجعل هذه القمة متميزة حقا عن سابقاتها. ان تاريخ اجتماعات القمة العربية الذي يرجع الى ستينيات القرن السابق ليس فيه ـ باستثناء قمة الخرطوم في عام 1967 ـ ما يشرف الأمة العربية. وهو بهذه الصفة ليس منفصما عن التاريخ العام للسلبية العربية في مواجهة اسرائيل. مع ذلك فان لقمة بيروت ظرفا خاصا. فهي تنعقد على خلفية تعاظم غير مسبوق للنضال الفلسطيني بدخوله مرحلة المقاومة المسلحة الشاملة. فهل ترقى قمة بيروت الى مستوى الظرف الخاص المحيط بها؟