الأستاذ أحمد منصور مقدم برامج تليفزيونية جيد، يدرس موضوعه جيدا، ويوجه أسئلة محرجة للضيف في محاولة للحصول على أسرار، ولكن يبدو أن الاجهاد في العمل، أوقعه في مطبات محرجة ليس بالنسبة للضيف ولكن محرجه له هو شخصيا. في برنامج شاهد على العصر مع السيد عارف عبدالرازق رئيس وزراء العراق الأسبق. اتهم أحمد ضيفه بأن موقفه عقب أحد الانقلابات لم يكن مشرفا لأنه اعترف على زملائه في الانقلاب، مما جعل أعداؤه يفرجون عنه دون زملائه جميعا، وثار اللواء عارف وسأل أحمد منصور «من أين جئت بهذه المعلومة؟». وهدد اللواء باللجوء الى القضاء، لأنه اتهمه علنا وعلى الهواء بتهمة لم يجرؤ أحد من قبل على اتهامه بها. ولكن مذيع الجزيرة استطاع امتصاص غضب اللواء، واستأنف الحوار من جديد. ولكن يبدو أن أحمد منصور لم يتعلم الدرس. كان الضيف الجديد هو المليونير المصري رامي لكح، وقد تم شلحه من مجلس الشعب لثبوت حمل جنسية أوروبية بغير إذن، وقد خرج من مصر عقب إسقاط عضويته وقيل أنه هرب من مصر، وقيل أن ديونه بلغت المليارات، كلام كثير ثار حول رامي لكح، والناس تصدق ما يقال، وتوهم المذيع أحمد منصور أن أمامه صيدة سهلة، وتصورت أنا أن رامي لكح سيقول كل ما يسر قلوب الأعادي، فهو في حالة لا تسر، مطرود من بلده، مطلوب لديونه، فاقد الأمل في أن يعود الى سابق عهده. ليس لديه ما يخشى عليه، فلماذا لا يقلب المائدة على الجميع، هكذا تصورت وهكذا توقعت.. ولكن الذي حدث في قناة الجزيرة كان أغرب من الخيال. اتصل المذيع أحمد منصور بالحاج عبداللطيف الشريف في القاهرة، يسأله عن الأرقام التي ذكرها رامي لكح. وقال الحاج عبداللطيف كلاما وأصر رامي لكح على أن الحقيقة هي التي ذكرها. هنا تحول المذيع أحمد منصور الى وكيل نيابة، عندما أسألك فلابد أن تجيب. رفض رامي لكح هذا الاسلوب قائلا: هو احنا في مدرسة؟ ثم ازدادت ثورته وصرخ عاليا.. أنا لم أحضر الى هنا ولم أشترك في البرنامج لكي أشوه مصر، وأنا لن أشوه مصر، واذا كان هذا البرنامج هدفه هو تشويه سمعة مصر فأنا منسحب، قال أحمد منصور، يعني تهرب من مصر بفلوس البنوك، واعترض رامي لكح قائلا.. أنا ما هربتش من مصر، وأنا مش مديون بمليارات زي ما بتقول، أنا ديوني 800 مليون جنيه، وفيه 300 مليون كاش في البنك، غير ممتلكات تغطي الديون بالاضافة الى مصانع وممتلكات أخرى. وعاد أحمد منصور يشخط وينطر مرتديا وشاح وكيل النيابة. بتقول ما هربتش من مصر؟ يعني تقدر ترجع مصر بكرة؟ أيوه أنا ناوي أرجع إن شاء الله.. يعني هترجع بكرة؟ وبعدين أنا لما أسألك انت لازم ترد.. مفهوم.. وهنا انقطع الحوار وانسحب رامي لكح من البرنامج.. الشئ الذي أريد تسجيله هنا هو أن العمل الاعلامي يختلف تماما عن العمل في النيابة. وضيف البرنامج التليفزيوني ليس أسيرا من أسرى تورا بورا. والعبد لله قبل بدء البرنامج كنت مشحونا ضد رامي لكح، ليس لأي سبب سوى أنني توقعت أنه سينهال بالشتائم على رأس مصر، وسيقوم بتشريح كل الناس، حكومة وشعبا، مستثمرين ومتسولين، ثم فوجئت بالمنظر الذي شاهدته في التليفزيون وخجلت من نفسي، نحن نحكم على الناس بالظن، نرسم صورة لهم في خيالنا ثم نصدر الأحكام التي تروق لنا، أقول لكم الحق، لقد احترمت رامي لكح وأكبرته. هذا الرأسمالي المتعثر، المشلوح من مجلس الشعب المهاجر من مصر، رفض الاشتراك في تمثيلية لتشويه سمعة مصر، ولكن ما سر قناة الجزيرة؟ ولماذا حرصها على تشويه سمعة مصر؟ هل هناك تار بايت بين الجزيرة ومصر؟ ولمصلحة من بالضبط نهدم مصر؟ وما هي الغاية من هدم مصر؟ إنها مسألة غريبة وغير مفهومة خصوصا من قناة الجزيرة التي أشهد بأنها قناة مختلفة عن قنواتنا العربية وأنها بالرغم من كل شئ استطاعت أن تحرك الماء في بحيرة الإعلام العربي الراكدة، وأنها أدت أداء أكثر من ممتاز خلال الأزمة الأفغانية، وأستطيع أن أقول أنها تفوقت حتى على القنوات الأمريكية والأوروبية. إذا كانت قناة الجزيرة قد ارتفعت الى هذا المستوى، فلماذا اللعب في الصغائر؟ ومن هو الذي يقف وراء هذا النوع من اللعب؟ هل هو أحمد منصور أم هناك من هو أكبر من أحمد منصور. إن المسألة ليست مزاحا، ولكنها تتعلق بأسلوب عربي يجب وقفه، خصوصا في هذه الظروف التي يزنقنا فيها عدونا في خانة اليك، بينما نحن مشغولون بالتآمر بسذاجة على بعضنا البعض، وكأن الدنيا قد خلت من الأعداء، ولم يبق إلا أن يكيد بعضنا لبعض، وأن يتآمر بعضنا على بعض. وهي مؤامرات ساذجة ومفضوحة وغالبا لن تؤثر في مصر أو في جزء من مصر. وإذ أشكر رامي لكح على موقفه كمواطن مصري حتى وإن حمل جنسية أخرى بدون إذن، أتمنى أن يهتم أحمد منصور بعمله ولا يهتم بغيره. وأرجو أن تبقى الجزيرة قناة للرأي والرأي الآخر، فقد تمكنت في الفترة القصيرة التي مارست فيها العمل من القاء عدة أحجار في بحيرة الاعلام العربي الآسنة.