لا أدري لماذا عندما يتحدث خبراء سوق العمل المواطنون وغيرهم عن قضية التوطين وخططه وسياسته يتحدثون عن الخريج المواطن وكأنه قادم من كوكب آخر أو شخص، ينتمي الى العصر الحجري لا يعرف شيئاً عن متطلبات العمل ولا يفقه حاجة هذا السوق، فتراهم يدعون إلى ضرورة تبني برامج خاصة لتدريب المواطنين لتأهيلهم، ومن ثم امكانية الالتحاق بالاعمال المختلفة في القطاعين الحكومي والخاص، ونشر الوعي بأهمية العمل والالتزام به، وتأكيد أهمية العمل المهني والحرفي. وما يغيظ فعلاً في كلام هؤلاء المنظّرين وهم يتحدثون في هذا الموضوع أنهم لايزالون يرددون مقولات الثمانينيات وما قبلها حين كان المواطن يعزف عن العمل في القطاع الخاص، ويصر على الالتحاق بوظيفة حكومية، فيتحدثون اليوم عن ذلك العزوف ـ الذي لا اصل له اليوم ـ ويذكرون المغريات الوظيفية التي تحفز المواطنين على العمل في القطاع الحكومي من حيث الرواتب والامتيازات الأخرى، ويكررون عبارات عفا عليها الدهر وهي سعي المواطن إلى الحصول على وظيفة آمنة تحقق له الوصول الى المراكز العليا من خلال التدرج الوظيفي، ويقترحون لتحقيق المعادلة في توجه المواطنين الى العام والخاص مساهمة الحكومة في دفع نسبة من رواتب المواطنين وكأنهم عالة تدفع الحكومة لمن يستوعبهم ويقبل بهم كموظفين لديه. هذا الكلام علاوة على انه مؤلم وقاس فإنه يجافي الحقيقة ويشعرني بأن هؤلاء الخبراء بعيدون عن واقع الخريجين، وعن مر الشكوى التي يشكونها وهم قابعون في بيوتهم وقد مضى على تخرجهم سنوات ولا يجدون شاغراً في القطاع الحكومي ولا حتى الخاص الذي يرحبون بالعمل في مختلف قطاعاته دون شرط أو قيد، بل وبالراتب الذي تحدده الجهة التي «تمنّ» عليهم بتأمين الوظيفة، وتكفل لهم فرصة اثبات الذات، وهؤلاء كثر وبالالاف. آلاف وفرت لهم الحكومة تعليماً إن لم يكن نوعياً فإنه تعليم يؤمن لهم استخدام الكمبيوتر واللغة الانجليزية ضمن تخصصات علمية ونظرية عدة، ما يعني ان الخريج المواطن لا يقل عن نظيره عدا في بعض التخصصات التي قد لا تلقى التشجيع الكافي من المواطنين لدراستها. وإن كان الحاصل من طغيان العمالة الوافدة على المواطنة في تخصصات عادية ووظائف في وسع المواطن تأديتها على أكمل وجه، وأعمال لا تتطلب علوماً «فلكية».. العيب يا جماعة ليس في المواطن التائه وسط 98 في المئة هي حجم العمالة الوافدة بالدولة، والقصور ليس في ادائه الذي اتخذه البعض ذريعة وحجة واهية لحرمانه من حقه ومنحه لغيره فتوقفوا عن ترديد هذه المقولات ولا تساهموا بتكرارها في زيادة معاناته التي وقفها يحتاج لقرارات عالية وحاسمة تقطع العرق وتسيح الدم.