هذه هي الحياة، مزيج من الخير والشر، الطيب والخبيث، النظيف والقذر، وبين الخير والشر داخل كل واحد منا شعرة بسيطة، كما ان رؤيتنا للأمور تختلف من شخص لآخر كل يفسرها حسب مفهومه الخاص. فمثلا عندما تسأل البعض: هل زرت البلد الفلاني؟ يرد عليك: نعم، انه جميل ونظيف في جميع الجوانب، وقد يرد عليك آخر عن نفس البلد: ان فيه من القذارة حدا لا يطاق! وتستعمل أوصاف سيئة في دول الخليج عن وصف بعض الدول أو المدن، على سبيل المثال لا الحصر يقال عن تايلاند وعن مدينة بانكوك بالذات كلام يجمع كل الصفات القبيحة، ولقد زرت تايلاند قبل سنوات مع مجموعة من الأصدقاء وفعلا وجدتها بلدا يصادف فيها المرء العجب العجاب، وقد ترجع أسباب ذلك الى الفقر والى الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي يعيشها بعض مواطني هذه الدولة ودول جنوب شرق آسيا، وكذلك الى نوعية السياح الذين يتناسون كل المفاهيم والأخلاقيات السياحية، ويذهبون هناك محملين بأفكار رخيصة تبيح لهم صرف أموالهم في كل ما يشبع رغباتهم، وزيارة أماكن غير شرعية. وعندما أثرت هذا الموضوع مع مرافقنا قال: هذا صحيح، والسائح هو الذي يحدد الأماكن التي يرغب في زيارتها، والسياحة التي يريد ان يمارسها فكما ترى البلد يعاني من الفقر. ومدينة بانكوك كبيرة وعدد سكانها ينمو بشكل سريع، والأغلبية يعيشون حالة بؤس ويأس ولأن الفقر يولد الانفجار وبالتالي الانحراف. مع ذلك دعوني آخذكم الى أماكن سوف تدهشكم لبيئتها النظيفة وأناسها الطيبين القانعين بما أعطاهم الله وبما هم فيه. هكذا كان الوعد صباح اليوم التالي مبكرا حيث استقلينا سيارة وتوجهنا الى تلك المنطقة التي تبعد بحوالي 400 كلم عن المدينة. وبعد مضي ساعات من الرحلة، دخلنا منطقة شبه نائية تحيطها غابات كثيفة، وطريقها موحل وكان في ذلك اليوم المطر يتساقط بشدة، قلت في نفسي الى أين نحن ذاهبون وسط هذه الأدغال وفي هذا الجو؟ وبعد أن قطعنا ما تبقى من الطريق بدأت تظهر في الأفق بيوت متواضعة تدل على وجود منطقة حضرية. هكذا وصلنا الى قرية صغيرة، استقبلنا بكل ترحيب رجل ملتح يرتدي لباسا تقليديا ابيض. وقال بلغة عربية مكسورة: السلام عليكم ورحمة الله، تفضلوا مرحبا بكم!! دخلنا أحد المنازل وبعد أن قدم لنا واجب الضيافة أخذنا الى زيارة مدرسة القرية وقال نحن هنا بالقرب من حدود لاوس وكمبوديا، أول فصل دخلنا اليه كان يضم عددا من التلاميذ التايلانديين يتعلمون اللغة العربية، وفصل آخر لتحفيظ القرآن الكريم، المدرسة متواضعة تحتوي على عدد من الفصول يتسع كل فصل لمجموعة من التلاميذ من مختلف الصفوف. كما تعرفنا على المدرسين وأغلبهم تايلانديون بينهم عربي واحد تعرفنا عليه وهو مدرس لمادة التربية الدينية وفي نفس الوقت امام مسجد القرية، انه جانب آخر من الحياة غير مألوف عما نسمعه عن تايلاند مجرد من كل قبح التصق بها، فأهل هذه القرية الصغيرة الواقعة وسط الغابات يفتقرون الى مقومات الحياة العصرية، إلا انهم راضون بما لديهم ومتشبثون بدينهم الاسلامي، فهم يعيشون بكل أمان في تلك المنطقة المتوترة آنذاك. استضافونا بكرم لا يوصف، وتعرفنا على أوجه مختلفة من حياتهم البسيطة التي تعكس واقعا آخر لصورة تايلاند. واستنتجت حينها ان جميع البلدان فيها الجيد والسيئ ولا يحق لأي منا تقييمها من منظور واحد. فهل خطر ببال السياح الذين يصفون تايلاند بالقذارة زيارة مثل هذه المناطق؟ اشك في ذلك! فالأغلبية تفضل زيارة المدن الكبيرة والمناطق التي يعتقدون ان كل شيء فيها مباح ومسموح ومن خلال ذلك يزيدون سمعة تلك البلدان والشعوب تشويها!!