القيادة الفلسطينية تتكلم الان بلغة جديدة تماما: لغة التحرر من السيطرة الرسمية العربية. في حديث عن قمة بيروت العربية المرتقبة هتف ياسر عبد ربه وزير الاعلام في السلطة الوطنية الفلسطينية: «لقد ولّى عهد الوصاية»! القى عبد ربه هذه القنبلة الكلامية في سياق تحذير قوي بأن الفلسطينيين لن يقبلوا اي قرار تصدره القمة في غياب الرئيس عرفات، قائلا: «هذا ما يجب ان يدركه العالم بأسره: ان عصر الوصاية قد ولى.. بما في ذلك الوصاية الشقيقة الحنونة». وبهذا القول الصارم الواضح بعد ما يقارب 40 عاما من قيام منظمة التحرير الفلسطينية، تضع القيادة الفلسطينية حدا فاصلا بين ماضي النفوذ الرسمي العربي على المنظمة وحاضر استقلالية المقاومة المسلحة. في النصف الاول من ستينيات القرن الماضي ولدت المنظمة في حضن الأنظمة العربية. ومنذ ذلك الحين والى ان اندلعت الانتفاضة الثانية الراهنة بتوجهها المسلح ظلت المنظمة اسيرة الاجندة الرسمية العربية ولعبة السلطة العربية. وكان تدخل الانظمة العربية في أمور المنظمة ودفعها في مسارات معينة ينحصر في محورين: انظمة كانت تمنع كوادر المنظمة من استفزاز اسرائيل الى درجة احتمال اشتعال حرب اسرائيلية عربية شاملة لم تكن تلك الانظمة مهيأة لها. وأنظمة كانت تعمد الى استغلال المنظمة في صراعاتها الاقليمية مع انظمة عربية أخرى. على الصعيد الاول نذكر كيف وقع سوء فهم خطير في اواخر الستينيات بين الرئيس جمال عبدالناصر وقيادة منظمة التحرير، عندما قبل عبدالناصر مبادرة امريكية أطلق عليها «مبادرة روجرز» «نسبة الى صاحبها وليام روجرز وزير الخارجية الامريكية آنذاك» تدعو الى هدنة بين مصر واسرائيل فيما عرف بحرب الاستنزاف. كان عبدالناصر بحاجة ماسة الى هذه الهدنة لاستغلالها في استكمال برنامجه لاعادة تسليح القوات المسلحة المصرية.. ولكن قيادة منظمة التحرير استفزت هذا القائد العربي الفذ بنعته بالخيانة او ما يقرب من ذلك. ونتيجة لذلك وقعت قطيعة بين مصر والمنظمة لأن عبدالناصر اضطر لمنع «قوات العاصفة» التابعة للمنظمة من مواصلة هجماتها على اسرائيل. ووقعت ازمة أشد خطورة وفداحة بين المنظمة والحكومة الأردنية في عام 1970 فيما عرف باسم «أيلول الأسود» وما دفع الحكومة الاردنية الى الصدام مع قوات المنظمة هو السبب نفسه الذي دفع بعبد الناصر، وهو ان الاردن لم يكن ليسمح بنشوء ظرف حاد يقوده الى حرب مع اسرائيل لم يكن مستعدا لها بعد. فقد كانت قوات المنظمة تشن هجمات متصلة عبر الحدود على الوجود الاسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. ومنذ عام 1970 ولمدى ربع قرن كانت هناك قطيعة طويلة بين منظمة التحرير وسوريا حافظ الأسد. ومرة اخرى نشأ تضارب بين الاستراتيجية الهجومية للمنظمة والحسابات العسكرية المتريثة للدولة السورية تجاه اسرائيل. ونتيجة لذلك نشأت حالة عداء طويل المدى بلغت حد الخصام الشخصي بين الرئيس حافظ الاسد والرئيس عرفات. وفي هذه الاثناء ومنذ قيام المنظمة لم تكف الانظمة العربية عن محاولات استغلال الرصيد السياسي والعسكري للمنظمة في الصراعات العربية العربية.. ولعل أبرزها الصراع السوري العراقي. ومن الانصاف ان نقول ايضا ان قيادة المنظمة نفسها تعتبر مسئولة جزئيا عن هذا الانحراف بدخولها طوعا في لعبة السلطة العربية. لكن الان اختلف الامر بدخول النضال الوطني الفلسطيني مرحلة الكفاح المسلح منذ 18 شهرا فرضت فصائل المقاومة الموحدة استقلالها الذاتي، اولا عن القيادة الفلسطينية التقليدية، وثانيا عن أجندة الانظمة العربية الحاكمة. هذا ما عناه ياسر عبد ربه بقوله: «لقد ولى عهد الوصاية».