بدأنا نرى بوضوح شديد وببصيرة حادة ملامح المشهد السياسي والاستراتيجي العربي، كأننا بلغنا ما يسميه حكماء المتصوفة بدرجة التجلي. نعم! لقد بدأت حقائق ناصعة البياض تتجلى لعيوننا العربية المتعبة ونحن في انتظار قمة بيروت، محل آمالنا المشروعة ومهبط أحلامنا الممنوعة ومستقر اصواتنا المسموعة ومسقط نضالاتنا المقموعة. بدأنا نلمس بوادر الانفراج.. او الانفجار ونحن في ساعة الحقيقة العربية. دقت ساعة الحق. نعم! تحولت الانتفاضة المباركة الى حرب مدن وأرياف كما توقعنا لها. كان ثوار الخمسينيات والستينيات في افريقيا وأمريكا اللاتينية يسمونها بحرب العصابات.. اي حرب العناقيد على شكل عناقيد العنب المتدلية من الكرمة... مجموعات مقاتلين وفدائيين تتشكل تحت شعارات منظمات اسلامية وطنية ثم تضرب العدو المحتل في مقتل وهي قابلة للشهادة مطالبة بالفداء، لا شيء لديها اعز من الموت في سبيل الله والوطن، ولا شيء اغلى من تراب الوطن. وهذه الكوكبات من الشباب والشابات استخلصت درس نكبة 1948 القاسي وتشبثت بالارض والزيتونة والرمانة والبيت.. حتى ولو تحول مقبرة. وقد تحولت البيوت بالفعل الى مقابر بصواريخ شارون.. ولم ينفد صبر ولا جهاد الشباب، بل اقترب موعد النصر وكنا نظنه بعيدا ويراه الله قريبا. ورأينا اروع تجسيد للآية 214 من سورة البقرة: بعد بسم الله الرحمن الرحيم: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب». صدق الله العظيم. لكن الذي يقض مضاجح 300 مليون عربي ومضاجع مليار وربع المليار مسلم هو سؤال اصبح مشروعا: هل ينتصر شعب فلسطين في ميدان المعركة المقدسة.. ثم يهزم في قمة بيروت؟ والامر للاجابة عن هذا السؤال هو امر اصحاب الامر. فعندهم الجواب. وقد شرفتني قناة الجزيرة الاسبوع الماضي بمنحي فرصة التعليق على توقعات العرب من قمة بيروت، فقلت بأن امام القادة العرب طريقين لا ثالث لهما: إما طريق الشرعية الدولية والقانون الدولي، وإما شريعة الغاب التي تمارسها حكومة شارون الارهابية بدعم امريكي مخجل. ولا أقل على العرب وهم أصحاب الحق وأصحاب القدس من ان يعلنوا تمسكهم بالشرعية الدولية اي بقرارات 242 و338 وبقرار مجلس الامن الاخير المعترف بدولة فلسطين وبرسالة كوفي عنان الموجهة لشارون. وبالطبع اذا ما تعلق القادة العرب بالشرعية الدولية فهم يعترفون ـ والعالم كله يعترف ـ بشرعية المقاومة منذ اعلنت منظمة الامم المتحدة في ميثاقها بأن كل شعب يتم احتلال اراضيه بغير ارادته، من حقه الدفاع عن نفسه بكل الوسائل المتاحة لديه. وبهذا البند ساهمت الامم المتحدة في تصفية الاستعمار نهائيا في افريقيا وآسيا، وظل الاستعمار الصهيوني الاستيطاني آخر معقل من معاقل القرن التاسع عشر والعشرين شاهدا قائما على الزور والبهتان اللذين يخترقان القانون الدولي والعلاقات الدولية. فالقانون الدولي يجب ان يكون سيد الموقف لدى قادة العرب في اجتماعهم، وذلك من خلال مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز المرتكزة اساسا على القانون الدولي والشرعية الدولية، مع التمسك بثوابت الصراع الصهيوني العربي التي هي اعتبار ذلك الصراع قضية استعمارية وقضية احتلال ارض وتشريد شعب، والتي هي وضع القدس في منزلتها الحقيقية اي عاصمة للدولة الفلسطينية القادمة ورمزا خالدا للأديان السماوية، ولا حق لليهود في مصادرتها وتهويدها، والتي هي كذلك حق عودة اللاجئين الى ارضهم والتعويض لهم عن مأساة نصف قرن من الشتات. اما الخيار الآخر امام القادة العرب، لا سمح الله، فهو اعتناق الشريعة الامريكية الجديدة وهي شريعة الغاب، لأنها اوغلت منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر في مغامرات غير مأمونة العواقب وقلبت الموازين، فالحق باطل والباطل حق والجلاد ضحية والضحية جلاد والظالم مظلوم والمظلوم ظالم. وهذا كلام لا نقوله نحن العرب بل يصدع به شرفاء الامريكان ولعل آخرهم المؤرخ والمفكر الامريكي والتر. أ. ماكدوجال صاحب كتاب «امريكا في مواجهة العالم: ارض الميعاد والدولة الصليبية»، وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنسلفانيا والحاصل على جائزة «بوليتزر» وهو الذي فضح هذه السياسة الخارجية الامريكية المؤسسة على خرافات لاهوتية تجعل من اسرائيل دولة فوق القانون وفوق الاخلاق وفوق المصالح. وأوصل الرئيس دبليو بوش بلاده الى مرحلة صعبة من التخبط جعلتها محل تنديد من كل منظمات حقوق الانسان بما فيها المنظمات الامريكية ومسئولة حقوق الانسان بمنظمة الامم المتحدة ماري روبنسون، الى درجة ان ليندن لاروش المرشح السابق لانتخابات الرئاسة الامريكية توجه يوم الجمعة الماضي برسالة مفتوحة الى القمة العربية يطالب فيها القادة باعلان رفضهم لتلك الشريعة الامريكية الخارجة عن شريعة الامم. فأمريكا تتحمل امام التاريخ ابشع ابادة لشعب اعزل هو شعب فلسطين، وتتحمل نتائج المثل الاسوأ الذي ضربته بمعاملة اسرى الحرب الافغان في قاعدة جوانتنامو، لا معاملة الحيوانات بل معاملة الحشرات بتعطيل حواسهم الخمس على مدى شهور دون ذنب اقترفوه ودون محاكمة ودون ادلة.اننا نعيش عصر الخزي والعار... ولابد ان تصحو الضمائر، بل انها تحتاج لهزة الزلازل حتى تصحو. فالقمة لابد ان تنتصر لابناء فلسطين وتدعم المقاومة المشروعة... فنحن العرب شركاء ولسنا وسطاء.. نحن اصحاب الحق والمؤتمنون على القدس، ولسنا قادمين من السويد او النرويج او فنلندة. ـ أستاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر