من حق القوى التي مازالت قابضة على جمر القومية العربية، فكريا وعاطفيا ونظاميا، ان تشعر ببعض الارتياح في هذه الأيام فلطالما بدت جهودها وميولها ونوازعها مضادة للاتجاه الجارف المعاكس، الذي بشر بزوال النظام العربي، وراح ينتظر الوقوف على اطلاله، غير انه لولا القناعة الى حد الايمان، بصحة اتجاهها وضرورة الاستعصام به، لما أقرت قضية دورية القمة العربية. . وبدون هذا الاقرار ما كان لقمة بيروت العتيدة أن تلتئم. وبالتداعي، ما كان لكل هذه التحركات داخل المحيط العربي ومن حوله، التي تنم عن شئ من الحيوية السياسية بعد الحيرة والجمود اللذين خيما منذ قمة عمان في مارس 2001، أن تحدث. نود القول، ان ضرورة الالتزام بمأسسة القمم العربية هي التي أوجبت لقاء القادة العرب في بيروت، وانه بغير العناية بهذه الضرورة، كان من المشكوك فيه تماما حدوث هذا اللقاء. لماذا؟ لأن الحساسية الشديدة التي تنطوي عليها معظم ان لم نقل كل القضايا المحلقة في الأفق العربي، وصعوبة التوافق بين القوى العربية على مواقف تعاضدية أو تعاونية، ناهيك عن اجماعية وحدوية منها، ربما كانت ستفعل فعلها في الحيلولة دون هكذا لقاء (لا نعرف مثلا كيف ستعالج القمة بديل المبادرة السعودية في حال تأكد رفض اسرائيل لها)؟! لقد جاء حين من الدهر، كان التداعي فيه الى القمة يواجه بعنت بالغ. جرى ذلك في بعض الأحايين والمناسبات التي شهدت تحديات أو تطلبت مواجهة استحقاقات أقل وطأة وجذرية عما هو مطروح بالحاح في الوقت الراهن. ومن المؤكد، على ماتقول التقاليد، أن غياب الزامية الانعقاد ودوريته، كان يسمح للبعض بالتهرب من الاستجابة لنداء القمة، تحت ذرائع مختلفة. وكثيرا مااحبطت دعوات للقمة بفعل هذا المخرج، المتمثل في مزاجية الاجتماع عموما، ثم مزاجية حضور هذا الطرف او ذاك بخاصة. دورية الانعقاد قطعت بعض السبل على هذه المزاجية. وكنا الى وقت قريب نخشى ان تكون قمة عمان الماضية الأولى والأخيرة من نوعها. وذلك بالنظر الى القرارات والمؤسسات العربية الكثيرة المعطلة أو القابلة للتعطيل. بصيغة أخرى، لم تكن الموافقة على الملحق الخاص باقرار دورية القمة العربية في أكتوبر 2000، بكافية لطمأنتنا الى مستقبل هذا الاجراء الفارق في مسيرة النظام العربي. . الذي كان يطمئننا ومازال ـ ونحسب أنه يطمئن الكثيرين من الغيورين على هذه المسيرة ـ هو التطبيق العملي لهذا الملحق. والظاهر ان اختبار الممارسة والالتزام سوف يمر بنجاح، لأن امامنا الآن سابقتين، وقد حدثتا في مناخ اقليمي ودولي مفعم بالتحديات. ولعلنا نذكر أن قمة بيروت كادت تقع في محظور التأجيل والمماطلة، بفعل تداعيات هذا المناخ، وكان ذلك كفيلا بجرح مفهوم الدورية واعادة النظام العربي الى زمن الذرائع وتقليد الهروب القومي الجماعي أو الوطني القطري. رب مجادل بأن تقييم دور القمة وفقا للانضباط في دوريته وعكوف أعضاء النظام على حضورها، هو مدخل غير موفق في معرض القياس الحقيقي للاداء. وهذا رأي صائب بصورة نسبية فقط. فالحكمة في وجود أية مؤسسة، قل شأنها أم كبر، هو في عوائدها المنظورة لا مجرد انتظامها الشكلي. بيد أن ديمومة المؤسسة وحرص أعضائها على جدولها الزمني، يمنحاتها فرصة الانتقال الى الفعالية، فبمرور الوقت تنشأ صلة حميمة بين الشكل والمضمون، إذ لا يمكن لمؤسسة ما أن تعيش الى مالا نهاية مالم يستشعر أصحابها والمعنيون بها فائدة ترجى منها. وبالنسبة للقمة العربية، لنا أن نعتبر صمود قضية الدورية والدأب على الحضور، كمؤشر على استشعار هذه الفائدة. ويتأكد لدينا هذا الحكم، عندما نلاحظ أن هذين المؤشرين برزا في المرحلة التي ظن فيها بعض خصوم النظام العربي انه يعيش نزعه الأخير ويوشك على الزوال. وقد راح هؤلاء يهيئون المسرح الاقليمي لإحلال البدائل، وأبرزها النظام الشرق أوسطي الخالي من دسم العروبة. نستطيع ان نمثل قضية الصلة بين الشكل والمضمون بما يجري من حيثيات وتفاعلات على ضفاف قمة بيروت. فهذه القمة مطالبة امام الرأي العام، العربي أولا ثم الاقليمي والدولي تاليا، بكشف حساب حول مدى التزامها بقرارات قمة عمان الدورية الأولى على أقل التقديرات وأضعف الفروض. إن قصر المسافة بين القمتين جعلت مقررات عمان قريبة من ذاكرة المتابعين والمهتمين. ثم إن القضايا التي ألحت في عمان مازالت على إلحاحها وسخونتها امام بيروت. (العراق وفلسطين وحال النظام العربي ..) وهكذا فإن دورية القمة وانضباطها المؤسساتي، وهو جانب شكلي، فرض نشوء مايشبه آلية المتابعة وتقييم الاداء عمليا، وهو جانب مضموني. لا يعني ذلك أن أهل القمة لا يمكنهم ايجاد الذرائع الكفيلة بالالتفاف على هذه الآلية فالالتزام بدورية القمة لن يجب في دورتين ما استقر خلال خمسين سنة ونيف شهدت قمما كثيرة. لكن عمليات التذرع واللجوء الى الطرق والالتفاف سوف تصعب مع استمرار هذا الالتزام، وقد تصل ذات حين الى طور الاستحالة. ربما ألقت دورية القمة أعباء على كاهل القيادات العربية، فليس هينا عليهم مثلا ان يصبحوا عرضة للمساءلة عن جدية قراراتهم ولو مرة كل عام! لكنها رفعت عنهم في الوقت ذاته اعباء اخرى. دعنا نشير منها الى مايتعلق بالضغوط وسياسات التربص الخارجي. فقد كان التداعي للقمة يؤخذ عند بعض القوى الدولية، احيانا الاقليمية، على محامل سيئة. وكثيرا ماكانت هذه القوى تجتهد للتشويش على مناسبات القمة أو حتى محاولة ممارسة ضغوط ظاهرة وباطنة، اما لاحباط انعقادها بالكلية واما للتأثير عليها على نحو غير مباشر. لم يعد هذا جائزا بالسهولة السابقة في ضوء الواقع المؤسساتي للقمة. هذا علاوة على أن هذا الواقع يوفر لكل عضو امكانية الاستقواء بالشركاء العرب داخل النظام، باعتبار انه لا يسعه في بعض الأوقات وتجاه بعض القضايا، الظهور كطائر يغرد وحيدا أو بعيدا عن السرب، بحسب ماتبغيه بعض القوى الخارجية. مثل هذا التحليل، هو مايفسر الانشغال واسع النطاق، عربيا واقليميا ودوليا، بقمة بيروت، والذي يؤكده عدد الرسائل أو الاشارات التي توجه اليها، كلما اقترب موعدها. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة