القمة العربية الدورية في بيروت التي تعقد غداً بعد تحضير نسبي معقول، هي قمة الأميال الأخيرة المتبقية على السلام والتغيير في منطقتنا العربية. والخيار واضح، فإما عبور هذه الأميال العشرة، وإما البقاء في خضم عاصفة لا تبدو لآثارها التخريبية نهاية.الموضوع في بؤرة الاهتمام هو فلسطين، والعلاقة العربية باسرائيل الآن وفي المستقبل، والفكرة الرئيسية المطروحة للمناقشة في القمة بهذا الخصوص، هي أفكار ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وأهمية مبادرته تأتي من جانبين، الأول انها قادمة من المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل عربي واسلامي وتاريخي حافل بمؤازرة القضية الفلسطينية. والثاني هو انها قدّمت «الجزرة» التي لا يمكن ان ترفض في الفضاء السياسي العالمي في ضوء المتغيرات الدولية السريعة التي نشاهد ونترقّب، وهي «التطبيع الكامل» بعد عودة «الأراضي» الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967 (كاملة). نعم.. المبادرة، أو أفكارها الرئيسية معتمدة على العديد من القرارات العربية السابقة، وتحدث بها بعض العرب في السابق تلميحاً أو تصريحاً، ولكنها في ثوبها السعودي صفقة متكاملة يعجز الآخر (الاسرائيلي أو الغربي) عن تبرير رفضها من دون أن يفقد معقولية موقفه السياسي. بقي ألا تتولى القمة العربية تسهيل رفض هذه المبادرة من الجانب الآخر، عن طريق تعديلها أو اضفاء الضبابية الكلامية أو الشعارات الفضفاضة عليها، أو اغراقها بكثير من التمنيات اللفظية أو المزايدات التي تتبع أهواء العامة من دون أي سند سياسي، فتفوّت فرصة الإحراج السياسي للآخر، وتقدّم لاسرائيل ذريعة للمماطلة. لا تستطيع اسرائيل أو حلفاؤها في الساحة الدولية أن تقف حجر عثرة أمام هذا العرض العربي الواضح، فيما لو اتفق عليه في القمة العتيدة. لكنها تستطيع أن تفعل ذلك إذا ساعدتها بعض الأطراف العربية عن طريق تمييع المبادرة والباسها لباساً فضفاضاً من الأماني، يفقدها هذا التفوق الذي مثلته بـ «الجزرة» في «التطبيع الكامل» مقابل «الانسحاب الكامل». كان العرب في معظم مراحل صراعهم مع اسرائيل منذ أكثر من ربع قرن، تقع مبادراتهم السياسية في قصور ذاتي، فباستثناء ما فعله المرحوم أنور السادات، كانت كل مبادرة عربية تفشل في تقديم الهامش السياسي الذي تحتاج اليه لانجاحها، ويقف العرب في كثير من مبادراتهم أقل بدرجات من التحرك السياسي الاسرائيلي، وكان ذلك يتبعه فقدان المبادرة وتفويت الفرص للنيل من اسرائيل سياسياً، بل كان يقدم المبررات لاسرائيل للقفز على ما يطرح، وبعد ان أصبح العجز واضحاً للنيل منها عسكريا، تبعه العجز للنيل منها سياسياً، وهكذا كانت اسرائيل تتغلب بالنقاط كما يقال، في كل مرة من دون ان تبذل جهوداً كبيرة، وتضيّع نضال الشعوب العربية وتضحياتها، بما فيها الشعب الفلسطيني، من دون الحصول على نتائج ملموسة، في سبيل رفض العاجل المتاح، من أجل الآجل الذي لا يأتي في ظل الظروف السياسية العالمية. الحقائق على الأرض تقول اننا في الخمسين سنة الماضية لم نقبل ان نبادر بسياسة تتقدم خطوة على ما هو قائم، فلقد رفض العرب قرار التقسيم سنة 1947 من أجل استرداد الأرض كاملة، ففقدنا أكثر من ضعفها بعد ذلك بعدد من السنوات في حرب لم يعدّ العرب لها الإعداد المناسب، ولقد قبلها الجانب الاسرائيلي كما تتكشف الوثائق اليوم، لأنه ـ وهنا للمفارقة ـ كان على يقين بأن العرب سوف يرفضونها، وفي حرب سنة 1967 دخل العرب حرباً ليحرروا أرضاً محتلة فزادت رقعة الاحتلال! وباختصار منذ ان بدأ الصراع على أرض فلسطين، فإن ميزان القوة لم يكن في مصلحة العرب، لا عسكريا ولا سياسياً. ولعلني هنا أنقل ممن لا يرقى إلى قوله الشك في هذا الموضوع بالذات، هو الاستاذ محمد حسنين هيكل، الذي كتب منذ عدة أشهر في مجلة «وجهات نظر» الصادرة في القاهرة، يقول معلقاً على حرب 1967: «لقد دخلنا الحرب بجيش من نتاج الحرب العالمية الأولى، ودخلوا بجيش من نتاج الحرب العالمية الثانية»، وفي ذلك القول بعض الفصل في موضوع توازن القوى العسكري. لقد اختار العرب ـ عن حق وواقعية ـ منذ سنوات ان يكون طريق السلام هو الاستراتيجية العامة التي يدعون اليها، وهو أمر له علاقة بموازين القوى السائدة، كما له علاقة بالواقع الموضوعي، ولكن ذلك الاختيار قد اكتنفته بعض المزايدة اللفظية والجدل، كما لحقه الكثير من تجاهل الحقائق المستحقة من أجل تعديل موازين القوى في المديين المتوسط والبعيد.لقد ثبت بعد حرب سنة 1967 ان الشعوب المقهورة لا يمكن ان تحارب ولا تقوى على المقاومة، فالذي يحارب هو الشعب الحر، كما ثبت ان الشعوب الخائفة لا تنتصر، فمن ينتصر هو الشعب القادر على المناقشة وابداء الرأي والحوار الخلاّق والمشاركة في الشأن العام من دون ارهاب، وكذلك فإن الشعوب المحرومة من نعمة العلم لا تستطيع ان تتعامل بكفاءة مع مخرجات العلم الحديث، ولم يهتم كثيرون في مجتمعاتنا العربية، منذ ان جوبهوا بالتحدي الاسرائيلي، لا بالعلم ولا بالحرية ولا بالعدالة، وهي العناصر التي تعدل على الأرض ميزان القوة، وهي الأدوات الحقيقية للمقاومة وتحقيق الانتصار، في عصر تقفز فيه التقنية يومياً الى آفاق جديدة، بالرغم من انها ـ على العكس ـ أغرقت شعوبنا العربية بالكثير من الاتكالية، والأوهام السياسية والاجتماعية، حتى سادت أجواءنا ضبابية عكّرت الرؤية، وقاد الشأن العام في بلادنا قلة ضلّلت الكثرة.وإذا كان كل ذلك ممكناً ومحتملاً في الاستمرار، قبل أحداث الحادي عشر من ستبمبر 2001، فإنه لم يعد ممكنا لا إنسانيا ولا تاريخياً بعد ذلك التاريخ، حيث ان التغيرات على الساحتين السياسية والاقتصادية على مستوى العالم قد فرضت هناك استحقاقات توجب ان ندفعها نحن (العرب) سواء رضينا بذلك أو رفضناه، فقوى المقاومة الفلسطينية تدخل، واحدة بعد أخرى، لائحة الارهاب الدولية والغربية على وجه التحديد، لما تقدمه بعض أفعالها من تشابه بين ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر وبعض ما يحدث على أرض فلسطين، ومن علاماته استهداف المدنيين.ويقدم الإعلام صوراً مشابهة بين ما يحدث في فلسطين وما حدث من قبل في نيويورك وواشنطن، فتصبح المقارنة السلبية سهلة وبسيطة امام الرأي العام العالمي فينحاز الى الجانب الاخر، ويجر دوله وحكوماته الى ذلك الطريق، فتخسر القضية الفلسطينية، على رغم عدالتها من وجهة نظرنا، مزيداً من مؤيديها الدوليين. ويزداد اضطراب منطقتنا اقتصادياً، وترتفع معدلات البطالة، ويزداد الشباب احباطاً، وتتآكل قدرتهم على مقاومة افكار الغلو، فيصبحون صيداً سهلاً للتطرف، في حلقة مفرغة من انتاج العنف والعنف المضاد.العلاقات الدولية ليست علاقات اخلاقية، ولا هي تبحث دائماً عن العدل، هي في حقيقتها المطلقة، توازن قوى اولاً، وتبادل مصالح ثانياً، والاثنان ليس لدينا الكثير منهما في الوقت الراهن. ستعود حليمة الى عادتها القديمة، ان ادخلنا في القمة المرتقبة التمنيات والعواطف، او سمحنا لبعضنا بأن يجر اكثرنا للمزايدات.. او اذا تبنى بعضنا التحليل الخطأ للواقع السياسي على الارض، حيث سنصل لا محالة، الى الحل الخطأ، ثم نقدم بياناً عاماً ضبابي الكلمات، لا يرقى الى التحدي الذي يتعين علينا مواجهته! قد يقول البعض ان المقاومة في فلسطين تسجل انتصارات. تلك حقيقة، ولكنها حقيقة جزئية، حيث ان هذه الانتصارات لا يمكن ان تبقى او تدوم الى الابد، فالعين في نهاية المطاف لا تقاوم المخرز، فهل الاستعداد قائم لأن يقتل معظم الفلسطينيين من اجل هدف قد لا يتحقق؟ ولمصلحة من تتابع قوافل الشهداء، لتزداد اعداد الثكالى والايتام؟ هل يصب ذلك في مصلحة فلسطين المستقبل، ام هو في مصلحة العدو؟ تلك اسئلة علينا ان نجيب عنها قبل ان يترك الموضوع الفلسطيني لنعود الى نقطة الصفر فيه، بعد تضحيات شتى قد لا يكون للشعب الفلسطيني قدرة على الاستمرار في بذلها. بيروت التي ترقد على ساحل البحر، وتعاني ضائقة اقتصادية شديدة، وترفض طبع سمات الدخول على جوازات السفر الفلسطينية لأنها غير معترف بها، يتعين عليها في هذا الوقت ان تقدم في قمتها حلولاً لمشكلات صعبة تجاه امتها. ويالها من مفارقة.. ويا له من زمن صعب! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت