عندما حكينا لك كيف أمكننا اقتناء كتابين أحدهما عن تاريخ التبغ ـ طباق التدخين، والثاني عن تاريخ الأفيون ـ قاتله الله ـ فقد كنا نتبع في هذا الاقتناء ، وتلك الأحاديث تيارا لا يبدو مستجدا في الكتابات والدراسات التي تطالعنا من يوم الى يوم من مطابع الغرب في أوروبا وأمريكا.. وربما في اماكن أخرى من كوكبنا لا ندري عنها ولا عن لغاتها قليلا ولا كثيرا. مع ذلك فكم نحن شغوفون بهذه النوعية من الكتب والدراسات التي تبتعد بنا عن السياسة من ناحية وقد تمدنا، من ناحية أخرى، بمعلومات مفيدة وطريفة تعين المرء على فهم الظاهرة الفريدة بدورها في حياة هذا الكوكب وفي حوليات تاريخية ـ تلك الظاهرة التي تحمل اسم الانسان.. بمعنى الانسان، السلوك والانسان، الحضارة والانسان، الوعي والاختيار. والى جانب كتابي التبغ والأفيون قد نتذكر أن مكتبتنا تضم كتبا عن تاريخ النار بوصفها ـ كما تقول جمهرة من الدارسين ـ جوهر التطور الحضاري في تاريخ البشر وقد يدعونا هذا الحديث الى سيرة طبيب انجليزي عاش في أوائل القرن الماضي وجاء اليوم الذي أبلغوه فيه أنه مصاب ـ بعيد عنك ـ بمرض السل ومن ثم نصحوه أن يكف عن ممارسة الطب والتماس مكان نقي الهواء ليعيش فيه.. وما كان من صاحبنا إلا أن انسحب للحياة في ريف انجلترا وفيما كف عن ممارسة الطب فقد نمت بين جوانحه رغبة المعرفة والدرس الى حد البحث والتقصي والاستيفاء ومن عجب أن كان محور بحثه ودراساته موضوع لم يستأثر يوما باهتمام، أي اهتمام من جانب الباحثين ـ كان البحث حول البطاطس، والذي حدث أن عكف الدكتور ردكليف سالامان وهذا هو اسمه على مدى نصف قرن يدرس هذا النبات الدرني الذي يؤكل ـ كما لعلك تعرف ـ مسلوقا ومطبوخا ومشويا ومحمرا وعنصرا مشاركا في السلاطة وفي صنف المقبلات ـ البيوريه ـ دع عنك ما طوروه به في عقود تأخرت حين صنعوا منه أصناف الشيبسي رقائق ميسورة التناول دخلت الثقافة الأمريكية المعاصرة تحت اسمها الشهير.. فرنس فرايز وتسللت منها الى أفواه الملايين من الأطفال والكبار في كل أنحاء العالم. نصف قرن يا مولانا أمضاها الدكتور سالامان المذكور أعلاه في دراسة البطاطس ـ البطاطا كما يسميها أهلنا في ربوع الشام وحين جاء عام 1949 أخرج الى الناس مجلدا ضخما أصبح الآن من كلاسيكيات البحوث المعاصرة عن التاريخ والتأثير الاجتماعي.. للبطاطس. يقول ناقد انجليزي بدوره هو الأستاذ مارك كورتانسكي أن الدكتور سالامان لم يكن يدري بكتابه هذا أنه يفتح الطريق أمام تيار جديد في الدراسات والكتب والبحوث التي تعنى بأخوات البطاطس وأخواتها من المواد التي تعد بسيطة أو بديهية ولكنها جوهرية وأحيانا حيوية في حياة الانسان.. وهكذا شهد نصف القرن الثاني من القرن العشرين صدور مثل هذه الكتابات عن مواضيع لم يكن أحد ليتصور يوما أن تكون محاور للبحث أو الدرس العلمي الرصين وتلقي الناس ـ واقتنوا كتبا عن تاريخ وتطور وتأثير الأرز والسكر والفشار ناهيك عن الشاي والكولا والكاكاو.. والموز وما الى ذلك بسبيل. والمسألة ـ كما لا يخفى على فطنتك ـ لا تتعلق فقط بالطعم اللذيذ ولا المذاق المحبب السائغ ـ ولكنها ترجع أيضا الى اقتصاديات تقوم وقد تتصدع أو تنهار بسبب هذا النوع أو ذاك من أنواع الحبوب أو الخضر أو الفاكهة.. ثم ترجع كذلك الى الجوانب السياسية والى الصراعات العالمية وبعضها بلغ درجة اشتعال الحروب التي ارتبطت بتلك الأنواع والمواد والأصناف.. ألم يأتك مثلا نبأ استعمار غانا في غرب افريقيا طمعا في كميات الكاكاو التي تنتجها ومنها اصطنع البشر ـ الامبرياليون طبعا ـ أصناف الشيكولاتة التي تنهار أمام لذتها مقاومة أي إنسان.. هناك أيضا صراعات وسياسات الشاي الذي كان محور نشاط شركة الهند الشرقية ـ مؤسسة السيطرة الاستعمارية البريطانية على أقطار شتى في شرق الكرة الأرضية ما بين الهند وجاراتها وحتى أقطارنا الطيبة شرقي الجزيرة العربية؟ أو أتاك حديث الموز وهو محور سياسات دول بأكملها ونظم سياسية بقضّها وقضيضها في منطقة أمريكا الوسطى وقارة أمريكا الجنوبية. وبمناسبة اقتصاديات وسياسيات الموز فقد حكى لنا الأستاذ محمد فائق وقد كان ـ كما نعرف ـ مسئولا عن شئون القارة الافريقية أيام الزعيم عبدالناصر رحمه الله. قال الأستاذ فائق ان الموز كان المحصول الرئيسي بل المحوري للصومال بعد استقلالها وكان من ثم سببا للتأثير على سياسات ذلك البلد بأصوله الاسلامية ـ الافريقية ـ العربية ـ وخاصة من جانب ايطاليا التي كانت القوة الاستعمارية للصومال في مرحلة ما قبل الاستقلال. أضاف الأستاذ فائق: ذات يوم تلقى مكتب الشئون الافريقية رسالة من رئيس وزراء الصومال.. في مرحلة عند منتصف الستينيات يطلب فيها ترتيب لقاء عاجل مع الزعيم عبدالناصر وكان المسئول الصومالي ـ ونظنه عبدالرشيد شارماركي وقتها ـ في زيارة الى ايطاليا وطلب لقاء القاهرة العاجل في طريق عودته الى بلاده في القرن الافريقي. وحين اجتمع الى عبدالناصر بحضور محمد فائق ـ أفاد بأن الصومال سوف يواجه مشكلة اقتصادية حادة وخطيرة لأن الشركات الايطالية التي تعودت على شراء كل محصول الموز الصومالي أعلنت أسعارا للشراء بلغت من التدني لدرجة تكاد تصيب خزينة الصومال بالافلاس وطبعا كان المقصود ممارسة ضغوط اقتصادية لتمرير مطالب سياسية تمس استقلال البلد العربي ـ الافريقي وكرامته وخطط تنميته. هنالك أمر عبدالناصر مساعده محمد فائق بأن يخرج بعد المقابلة ليعلن أن القاهرة سوف تشتري كل محصول الصومال من الموز. ويقول فائق: ساعتها أصبحت في حيرة من الأمر.. فمبلغ العلم أن مصر لم تكن بحاجة الى موز الصومال ولا مواردها تسمح بمثل هذا الترف وخاصة في ضوء تنفيذ خطة التنمية لمضاعفة الدخل القومي. والحاصل أن فائق أعلن المطلوب ولم تمض سوى ساعات سارعت الشركات الايطالية لتتصل بمسئولي مقديشيو وتعرض أسعارا أكثر تنافسية وأشد اغراء وطبعا أوفر سخاء ولو من تحت الضرس بطبيعة الحال. وطبعا أدرك الأستاذ محمد فائق أن عبدالناصر كان يمارس دورا من أدوار التكتيك في حرب الموز أسوة بأدوار أخرى مارسها آخرون في سجل التاريخ في حروب الشاي وحروب البن وحروب التوابل وحروب الأفيون. وربما كانت حروب الشاي أو البن ـ وبعضها ما برح يشتعل في زماننا بين الحين والحين هي حروب الأسعار والمنافسة في أسواق العرض والطلب، إلا أن حروب التوابل والأفيون كانت حروبا حقيقية وبالمعنى الكلاسيكي للصراع المسلح الدائر بين شعوب آمنة في بلادها ـ في الجنوب والشرق الآسيوي بالذات وبين شعوب أوروبا التي تحولت من عصور الظلام الوسطى الى عصر النهضة واليقظة ومن ثم ـ للأسف ـ الى عصر الكشف الجغرافي الذي أفضى الى عصور الاحتكار ـ الامبريالية والاستعمار منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين. في تاريخ الصين الحديث اثنتان من حروب الأفيون الأولى اشتعلت بين عامي 1839 و1842 والثانية اندلعت بين عامي 1856 و1860. وعلى امتداد تلك السنوات السبع ألحق الانجليز وحلفاؤهم الفرنسيون عذابات لا توصف بشعب الصين من أجل تمكين قوى الاستعمار الانجلو ـ فرنسي من الحصول على امتيازات تجارية في الأراضي الصينية ولم تضع تلك الحروب أوزارها إلا بعقد اتفاقيات ومعاهدات بلغت من الغبن بالنسبة للصين الحد الذي أدرجت به في قائمة المعاهدات غير المتكافئة. وفي اطار هذه الحروب يتهم المؤرخون تلك القوى الأوروبية بأنها كانت تتعمد اغراء أهل الصين بتعاطي مخدر الافيون وكأنها بذلك توقعهم في حبائل الادمان وغيبوبة الدخان الأزرق اللعين بما يسلب إرادة الفعل ويعطل ثورات الوعي وامكانات المقاومة. أخيرا فكلمة أفيون ـ أو بيوم في الانجليزية ـ مشتقة من مادة أو بوس اليونانية التي تعني العصير أو العصارة.. وطالما ردد المؤرخون أن معرفة نبات ومخدر الافيون نشأ من مصر القديمة وانتشر عبر آسيا الصغرى الى أرجاء العالم القديم ولكن الأبحاث السويسرية ـ كما يقول الأستاذ مارتن بوث مؤلف تاريخ الأفيون ـ تصحح هذا المفهوم وتقول ان الأرجح هو أن سر الأفيون تم اكتشافه عند المشارف الشرقية لقارة أوروبا ـ شبه جزيرة البلقان وما حولها الى منطقة البحر الأسود ومن ثم انتشرت تلك الأسرار الى سائر أنحاء العالم. مع ذلك كان الأفيون يزرع نحو سنة 3400 قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين ـ دجلة والفرات ـ في عراق ما قبل التاريخ وكان الناس يطلقون عليه في اللغة السورية عبارة من جزأين هما «هول» و«جيل» وهي تفيد معنى «نبات السعادة». والشاهد أن في هذا ما يبرئ مصر القديمة من مسئولية الأفيون ودخوله في التاريخ وإن كانت هذه المسئولية ما زالت معلقة في رقبة مصر ـ القديمة حتى لا ننسى ـ والسبب هو الشاعر هوميروس ـ صاحب الإلياذة والأوديسه الذي أراد في أشعاره أن يمدح مهارة المصريين وعلو كعبهم في مضمار الطبابة ودنيا العلاج فقال ـ لا فض فوه ـ أنهم أول من عرفوا الأفيون.