من سخرية الأقدار ان تكون الدولة التي أجبرت دول العالم على فتح أسواقها والركوع أمام آلهة «التجارة الحرة» والعولمة على مدى ثلاثين عاما منذ انهيار نظام بريتون وودز عام 1971، ومنعت الدول والشعوب من حماية انتاجها الوطني أمام الغزو الاقتصادي الأجنبي، ان تكون هي التي تخالف هذه الديانة الاقتصادية وتطيح بأول عمود من أعمدة نظام العولمة. هنا لا بد ان نقول ان الواقع هو المنتصر الأول هنا على عالم الفنتازيا المالية و«الاقتصاد الجديد» و «عصر المعلومات ما بعد الصناعي» والعولمة الالكترونية الذي ابتعد كثيرا عن سطح الأرض وبدأ يسبح في الفضاء الخارجي مثل شركة اينرون حيث لا يوجد الا الورق والورق والورق. فشعوب العالم حتى تستمر في البقاء لا بد لها ان تنتج الطاقة والحديد والصلب والغذاء وتبني الطرق وسكك الحديد وتوفر فرص العمل لشعوبها، ولا يختلف الشعب الأمريكي في ذلك عن غيره من الشعوب. من ناحية المبدأ يمكن القول ان قيام ادارة بوش بفرض تعريفة جمركية على واردات الصلب الأجنبية حق من حقوقها، وهو ما قامت مصر بأكثر منه عندما فرضت تعريفة جمركية قاتلة على جميع المنتجات النسيجية الأجنبية لحماية مليوني فرصة عمل مصرية وطنية. لكن الخطوة الأمريكية لها مميزاتها وتأتي في سياق مختلف، لأن أمريكا أصبحت المارد الامبريالي الأوحد الذي ينشر الرعب والدمار في أرجاء المعمورة، فلا يتوقع أحد ان يكون أي شيء تفعله خيراً مهما كان. ماذا حصل؟ تذكر الباحثة الاقتصادية الأمريكية أنيتا جالاجير أنه على عكس ما كان يشاع عن صحة الاقتصاد الأمريكي في السنين الخمسة الأخيرة وعن «النمو الأبدي» لاقتصاد ثورة الاتصالات الأمريكية وثورة المعلومات وغيرها من الأقاويل التي دفعت مستثمري العالم وحكوماتهم الى ضخ آلاف المليارات من الدولارات الى السوق الأمريكية، كان «الاقتصاد الفعلي» الأمريكي يحتضر. وخير مثال على ذلك هو صناعة الحديد والصلب. وفقا لاحصائيات «اتحاد عمال الصلب في أمريكا» USWA فان 32 شركة صلب أمريكية قد أعلنت افلاسها منذ عام 1997 ومن ضمنها عملاقا صناعة الصلب «بيثليهيم (بيت لحم) ستيل» و «ال تي في»، وان 17 من هذه الشركات قد تمت تصفيتها. كما ان حوالي 46700 فرصة عمل قد فقدت في هذا القطاع منذ يناير 1998، وقد وصلت أسعار الصلب الى أدنى مستوى لها منذ 20 عاما. أحد رؤساء اتحاد عمال الصلب الأمريكي جون تشيري صرح أمام مظاهرة لعمال الصلب في 20 فبراير ان 100 ألف من مجموع 600 ألف من عمال قطاع الصلب المتقاعدين قد فقدوا مساعداتهم الصحية. أما الباقون فقد يفقدون جميع معوناتهم التقاعدية اذا لم يتم انقاذ الشركات التي كانوا يخدمون فيها. بحلول 31 مارس ستتوقف المساعدات الصحية لخمسة وثمانين ألف متقاعد من الذين كانوا يعملون في شركة «ال.تي.في» المفلسة. في مواجهة هذا الوضع لم تعد حكومة الولايات المتحدة والكونجرس الأمريكي اللذان يشنان «حربا عالمية ضد الارهاب» قادرين على التظاهر بالصحة الاقتصادية وأهم صناعاتهم مهددة بالانقراض. لذلك فالقرار جاء سياسيا بالدرجة الأولى وحصل على اجماع شبه تام، خاصة وأن انتخابات مهمة مقبلة في الخريف. ففي شهر نوفمبر سيتم انتخاب جميع الأعضاء الـ 435 لمجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. والفارق بين الحزبين ضئيل. ويعتبر المراقبون ان الولايات الأساسية المنتجة للصلب مثل ويست فيرجينيا وأوهايو وميشيجان سيكون لها دور حاسم في الانتخابات وتحديد أي الحزبين سيسيطر على مجلسي الكونجرس. طالب اتحاد عمال الصلب في مظاهرات واعتصامات كبيرة بفرض تعريفة جمركية مقدارها 40% على مدى أربعة سنين وهي أعلى نسبة من بين التوصيات التي رفعتها اللجنة الأمريكية للتجارة الخارجية، التي كانت قد اكتشفت ان ارتفاع الواردات الأجنبية قد ألحق الأذى بشركات صناعة الصلب الأمريكية. في 3 مارس تبنى كل من زعيمي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلس الشيوخ السيناتور توم داشل وترينت لوت تعريفة بنسبة 40%. وذكرت التقارير ان مستشاري الرئيس بوش السياسيين مثل كارل روف قد انتصروا على مستشاريه الاقتصاديين مثل لاري ليندسي. وقد دخلت تعريفة الرئيس بوش الحمائية حيز التطبيق في العشرين من شهر مارس وتتراوح نسبتها بين 30 و 8% حسب نوع المنتجات التي يتم استيرادها وتأثيرها على ما ينتج محليا. فتفرض أعلى نسبة حددها الرئيس بوش وهي 30% على صفائح الفولاذ التي تدخل في صناعات السيارات الأمريكية والأجهزة المنزلية وتشكل 60% من صناعة الصلب الأمريكية. الدول التي ستتأثر مباشرة بهذا التعريفة هي الصين واليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وأوكرانيا. وتدعي اللجنة الأوربية ان الاتحاد الأوربي هو «أول ضحايا» هذه الاجراءات الأمريكية لأن أعضاءها الخمسة عشر يغذون 25% من واردات الولايات المتحدة من الصلب. ولكن أكثر ما يخشاه الأوربيون هو اغراق السوق الأوربية بالصادرات اليابانية والكورية الجنوبية التي سيتم تحويلها من سوق الولايات المتحدة. أما الدول التي ستعفى من التعريفة فهي كندا والمكسيك بسبب اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا «نافتا»، بالاضافة الى دول نامية مثل الأرجنتين وتركيا وتايلاند ومصر. القضاء على العولمة! يقول عالم الاقتصاد الأمريكي ليندون لاروش الذي يعتبر من أشد السياسيين الأمريكيين عداء للتجارة الحرة والعولمة وأشد أنصار الاجراءات الحمائية للاقتصاديات الوطنية، ان هذه الاجراءات بحد ذاتها لن تكون كافية لانقاذ الاقتصاد الأمريكي المتهالك. فبدون تركيز على اعادة بناء مجمل النشاط الاقتصادي الفعلي الأمريكي مثل تطوير البنية التحتية واعادة احياء الصناعات التقليدية الأمريكية لن يخرج الاقتصاد الأمريكي من أزمته الحالية. كما ان الانتاج العالمي من الصلب الذي يعاني من قلة الانتاج بسبب عدم وجود مشاريع اقتصادية تنموية كبرى مثل بناء سكك الحديد على نطاق واسع وبناء السدود والطرق والمراكز المدنية الحديثة وربط قارات العالم عبر شبكة حديثة من طرق النقل وغيره من مكونات البنية التحتية الأساسية فلن يخرج انتاج الصلب الأمريكي والعالمي من الركود الذي يعيشه. فالمشكلة هي ليست كثرة الانتاج بل قلته في ظل السياسة الاقتصادية المعادية للتنمية الصناعية في العالم وهي السياسة التي سادت العالم منذ السبعينيات. لكن لاروش يؤكد ان تعريفة الصلب هذه ستفتح الباب أمام اجراءات مماثلة في قطاعات حيوية أمريكية عديدة دمرتها سياسة العولمة في السنين الأخيرة مثل قطاع الزراعة، خاصة وأن القانون الخاص بالزراعة في الولايات المتحدة الذي صدر في عام 1996 سينتهي مفعوله في سبتمبر المقبل. ويؤكد لاروش في تعليق له على القرار الأمريكي الأخير ان ما ستقود اليه هذه الاجراءات هو ان دول العالم المختلفة ستلجأ الى السياسة القديمة بفرض تعريفات جمركية مماثلة لحماية منتجاتها الوطنية. وهذا ما سيؤدي في أكثر الاحتمالات الى تعرض منظمة التجارة العالمية لأزمة حقيقية وقد تؤدي أيضاً الى القضاء على اتفاقية ماستريخت الأوربية للعملة الأوربية الموحدة. ويؤكد لاروش دعمه في حال تحول الولايات المتحدة عن سياسة «التجارة الحرة» الى «التجارة العادلة». لكنه حذر من «أنه سيكون من الأوهام القاتلة التصور ان هذا التغيير في سياسة التعريفة الجمركية بتأثيراتها القصيرة الأجل، أمر لم يكن حتميا في هذا الوقت بالذات. لكنه من جهة أخرى قد يتحول وبشكل مفاجئ الى أكبر عملية تحول شاملة في السياسات الاقتصادية العالمية خلال الثلاثين عاما المنصرمة». ويضيف انه «لم يكن بمقدور الولايات المتحدة البقاء اقتصاديا مع استمرار النهج المتسارع السابق الذي أدى الى فقدان قطاعات استراتيجية من الصناعة والزراعة الأمريكيتين بسبب التأثيرات المشتركة لسياسة العولمة وسياسات فقاعات المضاربات المالية. قضية الصلب هي مجرد بداية. فلن يكون بمقدور أحد في الولايات المتحدة أو أوروبا ان يعيد هذه القضية الى داخل قمقم السياسات المساندة للعولمة الاقتصادية». ويضيف ان «التهديد الفعلي لأوروبا لا يأتي من هذه التعريفة، بل من حقيقة ان العالم كله يعاني من عملية انهيار النظام المالي والنقدي العالمي الحالي. فالاقتصاد الفعلي حيث يتم انتاج واستهلاك السلع المادية قد تم نهبه تدريجيا لصالح نظام ما بعد عام 1971 بأسعار فائدته العائمة» والتجارة الحرة. ويؤكد لاروش على ان الصدمة تأتي من ادراك ضرورة التحول الجذري والمفاجئ من نظام «التجارة الحرة» الذي ساد ثلاثة عقود الى نظام «التجارة العادلة» الذي ميز عملية اعادة بناء اقتصاديات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية وبالذات في الأعوام 1945ـ 1964. فالخوف الذي نتج من اعلان هذه التعريفة ليس خوفا من «حرب تجارية» بل هو خوف على حصة كل طرف فيما تبقى من جثة الاقتصاد العالمي المتهالك. فالحل لا يكمن في توزيع هذه الجثة بل على دور كل أمة من الأمم في اعادة بناء الاقتصاد العالمي على أساس عادل تتمكن فيه كل دول العالم من تحقيق مستوى اقتصادي وحياتي أفضل عن طريق التركيز على بناء البنية التحتية الأساسية وتوسيع القدرات الانتاجية الزراعية الصناعية لكل أمة.حينذاك سيحتاج العالم الى زيادة انتاج الصلب وغيره من المنتجات الأساسية الضرورية لعملية التنمية أضعافا مضاعفة، وفي ذلك يمكن ان يتنافس المتنافسون، وليس التكالب على حصة متضائلة تدريجيا من السوق العالمي. ـ كاتب عراقي