لنفترض ان حكومة العراق وافقت أخيرا على استقبال فرق التفتيش الدولية عن اسلحة الدمار الشامل. ولنفترض ثانيا ان النتائج النهائية لعملية التفتيش أثبتت ان العراق لا يملك أسلحة نووية ولا كيماوية ولا جرثومية او أي نوع آخر من اسلحة الدمار الشامل. هل في هذه الحالة تتقبل الولايات المتحدة هذه النتائج فتتخلى نهائيا عن اي خطة او نية لشن هجوم عسكري كاسح على العراق؟ المنطق البسيط يقول: نعم. وكذلك تقول القرارات الدولية بشأن العراق. لكن واشنطن تقول: لا! هذا ببساطة ملخص احدث تصريح امريكي بشأن الحالة العراقية. لقد قال مساعد وزير الدفاع الامريكي بول ولفوويتز قبل يومين ان الولايات المتحدة «ليست بحاجة الى أدلة تبرهن على ان الرئيس العراقي صدام حسين يستخدم اسلحة الدمار الشامل..»! وللشرح والتوضيح قال نقلا عن الرئيس بوش ان واشنطن ليس بوسعها الانتظار الى ان تتوفر لديها أدلة بأن شخصا ما يستخدم اسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة «وذلك قبل ان نفعل شيئا لمنعه». والسؤال الذي لابد ان يرد على خاطر كل من يطالع هذا الكلام الملتوي هو: هل يعني مساعد وزير الدفاع الامريكي ان الادارة الامريكية لديها اولا أدلة ملموسة وقاطعة ودامغة بأن العراق يملك بالفعل حاليا اسلحة دمار شامل، وأن لديها ثانيا أدلة اخرى ملموسة وقاطعة ودامغة بأن الرئيس صدام حسين قرر بالفعل شن هجوم على الولايات المتحدة بهذه الاسلحة الفتاكة وأنه بالفعل يعد العدة لذلك؟ وبالتالي فان الأمر يتطلب تحركا امريكيا سريعا «لمنعه» دون انتظار عودة فرق التفتيش الدولية الى العراق؟ اذا كان الأمر كذلك فان هناك سؤالين: أولا: لماذا لم تتقدم الولايات المتحدة بما لديها من «أدلة» الى مجلس الامن الدولي وتعلنها على العالم؟ ولماذا لم يعرض نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني هذه «الأدلة» على قادة تسع دول عربية اجتمع بكل منهم واحدا تلو الآخر في جولته الاخيرة؟ ثانيا.. وهذا هو السؤال الأهم: اذا كان بحوزة الولايات المتحدة أدلة لا يرقى اليها الشك بأن بغداد تملك بالفعل اسلحة دمار شامل فلماذا طالبت واشنطن بعودة المفتشين الى العراق؟ أجل.. الولايات المتحدة دولة عظمى.. لكنها دولة تفتقر الى احترام الذات.. وسياساتها تجاه العالم ليست قطعا في مستوى سياسات دولة عظمى محترمة. لقد اعلنت الادارة الامريكية باديء الأمر أن هناك «رابطة» بين العراق وتفجيرات سبتمبر في الولايات المتحدة.. مما يبرر ان يكون العراق مشمولا بأهداف المرحلة الثانية «لمحاربة الارهاب». وعندما طلب حلفاء امريكا الأوروبيون وألحوا في الطلب بأن تبرز الادارة الامريكية أدلة على هذا الزعم، عجزت واشنطن عن تقديم اي شيء ذي قيمة فعدلت عن «تكتيك» الصاق تهمة الارهاب بالعراق.. وأخذت تبحث عن حيلة أخرى. وباثارة مسألة اسلحة الدمار الشامل ظنت ادارة بوش انها عثرت اخيرا على ضالتها. والفكرة هنا استمدت من الموقف العراقي الثابت لمدى اربع سنين متتالية برفض عودة المفتشين الدوليين. وبالتالي فان مطالبة بغداد بفتح الاراضي العراقية لفرق التفتيش الدولية كانت مبنية على فرضية هذا الرفض العراقي العنيد.. فيتخذ الرفض «المضمون» بالتالي ذريعة للهجمة العسكرية على العراق.. فتبدو الهجمة وكأنها مشروعة دوليا. لكن الحكومة العراقية فاجأت واشنطن والعالم. فقد أبلغت الامين العام للامم المتحدة أنها توافق مبدئيا على عودة المفتشين «رغم انها ابدت شروطا تجد قبولا من اعضاء اخرين في مجلس الامن الدولي». والان انفضح الأمر تماما مع صدور تصريحات مساعد وزير الدفاع الامريكي بأن الولايات المتحدة «ليست بحاجة الى أدلة» على ان العراق يستخدم اسلحة الدمار الشامل. وبعد فان ما لا تريد ان تصرح به واشنطن هو ان قرار ضرب العراق لا علاقة له بالارهاب او الدمار الشامل.. انه قرار يهودي صهيوني يدخل في صميم أجندة الصراع العربي الاسرائيلي.