قبل الولوج في الخلفيات التي دفعت شارون الى استخدام الآلة العسكرية الإسرائيلية في شن اقسى حالات العدوان والتدمير، ضد المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، يمكننا القول إن هذه المخيمات شكلت منذ وقت مبكر، الرافعة النضالية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل أكثر من ذلك كانت هذه المخيمات وما تزال الرافعة الحقيقية لتأجيج الصراع بكل أشكاله المتاحة ضد اسرائيل . هذا الأمر أتى من الإحساس بحالة الغبن والاضطهاد، الذي لحق باللاجئين مذ وقعت حالة الاحتلال وما ألحقته بهذه الكتلة من تهجير قسري، بمعنى أن هذه الكتلة من البشر بدأت تعيش معاناة مزدوجة، متضمنة الحالة الوطنية والاجتماعية، وما يتولد بين هذين الاعتبارين من محفزات سياسية ـ أيديولوجية، أقلها الوصول إلى قناعة كلية بانتهاج طريق الاستشهاد، الذي يحقق الذات الوطنية من جهة، والاجتماعية من جهة أخرى. بالاضافة الى ذلك، اعتبرت قضية اللاجئين الحلقة الاصعب والاعقد في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني والفلسطيني ـ الاسرائيلي، بحيث عممت خاصيتها على الداخل الفلسطيني، بداية باللاجئين داخل أراضي العام 1948،الذين صودرت أراضيهم ورحلوا قسراً عن قراهم بعد أن دمرت، مروراً بالضفة والقطاع وانتهاء بمناطق الشتات، والتي خلقت حالة من الصراعات الدامية، طالت بدورها بلدين عربيين على الاقل: وهنا لسنا بصدد اجترار الماضي لما تحمله هذه القضية من خطورة كبيرة على الامن الاقليمي برمته . أي أن قضية اللاجئين تعتبر العقبة الكأداء في وجه أية مشاريع اقليمية قادمة، لانها تعتبر المحرك الرئيسي والاساسي في عملية الصراع، في الداخل والخارج، فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن المخيم الفلسطيني شكل حالة نضالية متقدمة، ورافدا من روافد عملية الصراع، بصرف النظر عن التقسيمات الدرسية التي ترتكز الى مفهوم الداخل والخارج عادة. وبعيداً عن التحيز، فقد عكست هذه الخاصية المخيماتية، نفسها بشكل واضح في تشكل القوى والايديولوجيات المتبعة بل وخطابها السياسي، أي أن القوى الفلسطينية استندت بالاساس الى الخطاب السياسي ـ الايديولوجي، الذي كان وما يزال يلبي طموح المخيم الفلسطيني وتطلعاته النهائية لعملية الصراع الجارية، إن كان في الشتات أو في داخل فلسطين . بكلام أوضح أرست هذه المخيمات قيماً سياسية استندت اليها العملية الصراعية والسياسية في آن معاً، وبدت هذه القيم وكأنها عصية على الكسر في الكثير من المحطات الصراعية، بحيث شكل المخيم محفزاً أساسياً ورئيسياً لديمومة حالة الاشتباك، وقد تبدى ذلك الامر قبل مؤتمر مدريد الذي عقد في بداية تسعينيات القرن الماضي، من خلال الانتفاضة الكبرى التي دامت ما يقارب الثمانية سنوات، بل أكثر من ذلك حفزت الريف الفلسطيني للوقوف في وجه التمدد الاستيطاني، وحركت المدينة الفلسطينية التي تتسم بسمة كل مدن العالم، والتي غالباً ما تميل الى حالة الاستقرار، مما شكل عندها حالة انتظارية، كان على الدوام المخيم يسعى لتحريك هذه الحالة الراكدة، خاصة وأنه يشكل ـ المخيم ـ حزاماً من البؤس لهذه المدينة، بداية من القدس مروراً برام الله وانتهاء بغزة، التي انصبغت بصبغة اللاجئين، أكثر من غيرها من المدن الفلسطينية الاخرى . أي بمعنى آخر ، شكل المخيم الفلسطيني مصنعاً للنضال والمناضلين، وقد ظهرت هذه القضية، منذ عام 1967 بعد أن أكملت اسرائيل احتلالها لفلسطين بشكل كامل، بحيث تبين للاسرائيليين أن المخيم الفلسطيني شكل الحاضنة الحقيقية لقوى الثورة بكل تلاوينها ومسمياتها كما أسلفنا القول، وقد لوحظ هذا الامر في مخيمات الداخل، خاصة في غزة، حيث قاومت منذ وقت مبكر هذا الاحتلال، فكان الامر سجالاً وعلى مدار سنوات يستردها الاسرائيليون في النهار ليعاود تحريرها أبناء المخيمات في الليل، هذا الامر بالذات دفع رابين ذات مرة متمنياً بأن يفيق من نومه وقد ابتلع البحر غزة ، أي وقد ابتلع هذا الحشد الكبير من أبناء المخيمات الذين يشكلون ثلثي تعداد سكان القطاع، دون التقليل بطبيعة الحال من وطنية ومواقف أبناء القطاع الاصليين وما قدموه من نضالات . من هذا المنطلق رأى شارون وقياداته العسكرية والامنية، أنه لا بديل عن اقتحام القلاع، المخيمات، التي شكلت الرافعة النضالية في وجه الاحتلال الاسرائيلي، بل أبعد من ذلك أنها في حال التوصل بالمستقبل المنظور الى حلول قد تتجاهل حقهم، ستعيد هذه المخيمات الدورة الصراعية الى أعنف مما نشهده هذه الايام، وأن التسوية بالمنظور الاسرائيلي لن تتحقق، بصرف النظر عن نوعية وتركيبة الحكومة الاسرائيلية عمالية كانت أم ليكودية ولعل بن اليعازر كان الاوضح في تقديمه لوجهة النظر الاسرائيلية، للمخيمات الفلسطينية عندما قال في بداية الهجوم على المخيمات واقتحامها، «بأنه يتوجب علينا أن نهدم عمود المخيم»، أي أن ذلك يعبر عن مدى التطابق الاسرائيلي، حياداً عن الشعارات والتباينات الحزبية الداخلية، في الرؤية للمخيم وما يشكله من خطورة على ما يسمى بمقولة الامن الاسرائيلي حاضراً ومستقبلاً بينما ذهب شارون الى أبعد من ذلك، عندما اتهم الرئيس عرفات بأنه غير قادر على اقتحام هذه المخيمات، لانها تشكل الملاذ الحقيقي للارهابيين حسب اعتقاده، وأن ما يقوم به هو اجتثاث مكامن الارهاب المتأصل في هذه البقاع، والتي لا يمكن الحد منها الا بهذه الطريقة . لكن السؤال الاهم، هل حقاً استطاع شارون تهديم عامود المخيم، كما جاء بوصفة شريكه العمالي بن أليعازر ؟ وهل توصل شارون فعلاً بعد استخدام كل وسائل القمع والتدمير لكسر شوكة المخيم ؟ على ما يبدو ومن خلال أتون النار اللاهبة، فقد فتح شارون ومجلس وزرائه المصغر ومجلس أمنه، شهية الظاهرة الاستشهادية مرة أخرى لتظهر بأعلى نسبها عالمياً على الاطلاق، ولتعيد المبادرة مرة أخرى أيضاً لكي يتصدر المخيم المواجهة من جديد بطرق وأساليب متطورة على خلاف الاساليب المتأنية التي استخدمت في بداية انتفاضة الاقصى، والتي نقلت حالة الرعب ليس الى صفوف المستوطنين هذه المرة وحسب بل والى صفوف الجيش المدجج بأعتى ما أنتجته الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل من أدوات للقتل والتدمير. بل أكثر من ذلك أن الطريقة الشارونية في اقتحام المخيمات ومدنها، زادت من الحالة الرخوة، خاصة فيما يتعلق بالحواجز العسكرية ـ الامنية الاسرائيلية التي وضعت على التخوم الفلسطينية، لدرجة بدأت تظهر مع طول مدة الاستنفار المتخذة في صفوف الجيش الاسرائيلي، انتشار حالة من اليأس بين صفوف هذه القوات تارة ، وتراجع الاداء القهري تارة أخرى، بسبب الاداء القتالي للمقاومين المتواجدين في المخيمات الفلسطينية، رغم حالات الاعتقال الجماعي والعسف الذي يمارس ضد الحجر قبل البشر. وبعيداً عن المغالاة والتبشير في آن معاً، يمكننا القول أن المخيم الفلسطيني، منذ لحظة تشكله، يعيش حالة من العدم لا تختلف كثيراً عن الحالة التي نراها عبر عدسات المصورين، وأن لا شيء يخسره الا ذله، ومهما ابتدع شارون وتحالفه من طرق اجرامية، لن يصل الى ما يصبو اليه على الاطلاق، سوى الى المزيد من تنامي الروح القتالية بين صفوف هؤلاء المكلومين منذ لحظة الاحتلال الاولى لفلسطين، وأن عامود المخيم كان على الدوام الأقدر على ترميم ذاته، والتجارب ما تزال شاهدة على سرعة أبناء المخيم في ترميم ذاتهم. ـ كاتب فلسطيني