قبيل جولته في الشرق الأوسط، ورغم حمامات الدم التي أغرق فيها شارون وحكومته الشعب الفلسطيني المجاهد، قال نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إن ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي ليس في أولوياته، وأن الهدف الأساسي من جولته هو الإعداد للمرحلة التالية مما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد الارهاب والتي تريد واشنطن أن تفتتحها بهجوم واسع يستهدف العراق الذي لم تثبت له أي علاقة بأحداث 11 سبتمبر ولا بتنظيم القاعدة ولا بحكومة طالبان، ومع ذلك أصرت واشنطن على وضعه هدفا أساسيا لحملتها العسكرية التالية تحت زعم أنه يحاول امتلاك أسلحة الدمار الشامل! وبعد المرور على العواصم العربية، وقف تشيني بجوار السفاح شارون يبارك حربه ضد (الارهاب!!) الفلسطيني، ويجدد الالتزام الامريكي بأمن اسرائيل وتفوقها العسكري الى أبد الآبدين، ويعلن أنه لن يقابل عرفات الا اذا استوفى الشروط التي وضعها شارون وتبنتها الادارة الامريكية والتي لا تستهدف الا القضاء على الانتفاضة وتصفية المقاومة، وتحويل السلطة الفلسطينية الى جهاز لضمان الأمن.. الاسرائيلي! وبين تصريحات تشيني قبل الجولة وحديثه وهو يقف بجوار السفاح شارون، كان نائب الرئيس الأمريكي قد اكتشف - على ما يبدو - ما أزعجه، وفشل في الحصول على تأييد العرب لضربة أمريكية محتملة للعراق، واضطر للاعتراف بأن من التقاهم من القادة العرب قلقون من العنف الاسرائيلي أكثر مما هم قلقون من التهديد العراقي، ولا يرون أولوية لمهاجمة العراق فيما العنف يتصاعد في فلسطين! اختلاف الاولويات طبعا.. الموقف الرسمي العربي أقوى من ذلك، وكل العواصم العربية أعلنت معارضتها لضرب العراق من حيث المبدأ وليس التوقيت، والعراق بعد عشر سنوات من الحصار والتجويع والتفتيش وتدمير الأسلحة الهجومية لا يمكن ان يمثل تهديدا لأحد. أيضا..انزعاج القادة العرب ليس من العنف الاسرائيلي كما يقول تشيني ولكن من حرب الابادة المجنونة التي يشنها السفاح شارون على الشعب الفلسطيني الأعزل وبدعم أمريكا ومباركتها! والقضية ليست قضية أولويات كما يحاول تشيني وضعها، ولكنها قضية أمن قومي عربي مستباح.. سواء في فلسطين أو العراق.. ومع ذلك فإن تشيني الذي حدد أهداف جولته في البداية، يدرك بعدها عمق المشاعر العربية الرافضة لضرب العراق والمؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني، والتي تدين العدوان الهمجي الاسرائيلي وتدين في نفس الوقت سياسة واشنطن المعادية للعرب والمنحازة لاسرائيل والمتربصة بالعراق. لكن المشكلة تبقى كما هي.. فالإدارة الأمريكية مصرة على سياساتها، والرئيس الأمريكي بوش أوضح الموقف بعد جولة نائبه وما سمعه في العواصم العربية، حين قال علانية انه يقدر نصائح القادة العرب «ولكننا لن نترك قائدا من أكثر القادة خطرا يحصل على أكثر الأسلحة خطرا في العالم ليهدد به الولايات المتحدة وأصدقاءها وحلفاءها. إن هذا لن يحدث أبدا»!! ومرة أخرى.. فالرئيس بوش يعلم أكثر من غيره أن العراق ـ وهو في كل قوته لم يصمد ساعات أمام هجوم التحالف الأمريكي عليه في حرب الخليج، وهو الآن ـ وبعد عشر سنوات ـ من الحصار والتجويع لا يمكن أن يشكل خطرا على الولايات المتحدة ولا أصدقائها ولا حلفائها، ومع ذلك فالقرار بضربه قد اتخذ، والتمهيد له يجري على قدم وساق، والمشكلة أن واشنطن لا تريد أن تخوض حربين بالمنطقة في نفس الوقت، ولا تريد أن تعرض نفسها وأصدقاءها وحلفاءها لموقف تكون فيه الطائرات الأمريكية تقصف بغداد والصواريخ الأمريكية تدمرها، وفي نفس الوقت تكون الطائرات الأمريكية تحت علم اسرائيل تدك مخيمات اللاجئين الفلسطينيين! هذا الموقف هو ما تحاول واشنطن تفاديه. ومن أجل ذلك أعطت شارون تأييدها الكامل لكي يشن حرب الابادة على الشعب الفلسطيني، ولكي يمارس أبشع ما في النازية من تراث حقير في القمع والتدمير، وأمنت له كل الدعم العسكري والسياسي، فمنعت أوروبا من التدخل، وشلت حركة مجلس الأمن، ومارست كل الضغوط على الحكومات العربية والاسلامية، وصنفت المقاومة الفلسطينية على أنها ارهاب ومذابح شارون القذرة على انها دفاع عن النفس. ومع ذلك فشل شارون في انجاز المهمة، واستطاع الشعب الفلسطيني ـ بصموده المعجز ـ ان يضع الجميع في ورطة، ولم يكن التحرك الأمريكي لمواجهة الموقف من باب الكرم، بل كان تحركا اضطراريا لانقاذ شارون من نهاية مأساوية يسير إليها على بحر من الدماء، ولانقاذ المجتمع الاسرائيلي من الانفجار الداخلي، ولانقاذ المصالح الامريكية من مخاطر غضبة عربية قد يكون الصمت الراهن مجرد غطاء لها، ولانقاذ الوضع كله قبل أن يصل الى نقطة تدخل فيها المنطقة كلها دائرة الخطر. تحركت واشنطن عندما أدركت أن مغامرة شارون الدموية قد فشلت، وان مغامرتها القادمة في المنطقة لا يمكن ان تتم وسط الجو الملتهب.. ومع ذلك فالتحرك الأمريكي كان ومازال محكوما بعدة مبادئ أساسية لا ينبغي أن تغيب عن عيوننا حتى ولو تغيرت التكتيكات اليومية في التعامل مع أوضاع المنطقة. هناك التزام لا سبيل لمناقشته بأمن اسرائيل وتفوقها العسكري. وبدون أن تحدد واشنطن أي اسرائيل هذه التي تلتزم بضمان أمنها؟ هل هي اسرائيل داخل حدودها.. أم اسرائيل وهي تحتل أراضي سورية ولبنانية والضفة وغزة والقدس؟ هل هي اسرائيل القادرة على الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد وهي لا تواجه في الحقيقة تهديدا من أحد، أم اسرائيل التي تشيع الخراب والدمار في المنطقة، وتهدد بضرب كل الدول العربية، وتنفرد بامتلاك الأسلحة النووية وكل أسلحة الدمار الشامل برضا أمريكا ورعايتها؟! خريطة جديدة وهناك اصرار أمريكي على أن هذا هو الوقت المناسب لوضع الخريطة الأمريكية الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ. وهي خريطة تضع العالم كله بموارده وموقعه تحت الهيمنة الأمريكية الكاملة. إن الطريق لتحقيق ذلك يستلزم تغييرات كثيرة لابد أن تستعد لها دول المنطقة، والبداية لابد أن تكون بحمل الدول العربية على ادخال اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تراها أمريكا ضرورية للقضاء على التطرف الاسلامي وتصفية جذور الارهاب التي تعتقد واشنطن انها ممتدة في تراب الأرض العربية من الخليج الى المحيط! إن الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها في المنطقة بكل قوة وبغير حدود ودون النظر الى أي اعتبارات اخرى. واذا كانت إسرائيل مصلحة أمريكية عليا فالانحياز لها سيكون سياسة رسمية للأبد وهو ماينبغي أن يفهمه العرب، واذا كان البترول مصلحة أمريكية أخرى فليس المطلوب تأمينه فقط بل السيطرة الكاملة عليه، واذا كان العراق يحتوي على أكبر احتياطي من البترول في المنطقة فدخوله تحت العباءة الأمريكية أمر حتمي. وفي هذا الاطار جاء التحرك الأمريكي نحو المنطقة وفي هذا الاطار أيضا ستجيء التحركات القادمة، وهكذا ينبغي أن نفهمها ونتعامل معها حتى لا نبني آمالا كاذبة، أو نتوقع مالا يمكن حدوثه. وحتى لا تفاجئنا الأحداث بما لم يكن في الحسبان. إن تصريحات الرئيس بوش ونائبه تشيني بعد الجولة في الشرق الأوسط تعني أمرين لا ينبغي أن تصرفنا عنهما أي تحركات تكتيكية من الإدارة الأمريكية تريد أن تستبق القمة العربية وتشتت انتباهها وتدفعها في الاتجاه الخطأ، وتشجعها على تهدئة الموقف.. لعل وعسى! إن الموقف الأمريكي وفقا لتصريح الرئيس الأمريكي ونائبه يعني أمرين: الأول: أن قرار ضرب العراق قد تم اتخاذه، ولأسباب لا علاقة لها بالمزاعم عن تهديد العراق لجيرانه، أو امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل. وانما لأنه يحقق - وفقا لتصور الإدارة الأمريكية - مصالح أمريكية هامة في المنطقة، ولأنه أيضا أصبح ضرورة لمعالجة الموقف الناشئ عن فضيحة أنرون التي تمسك بتلابيب الرئيس بوش وكبار مساعديه وتهدد بفضيحة مدوية قد يكون ضرب العراق هو الوسيلة المثلى لتجنبها! والأمر الثاني.. انه اذا كان القادة العرب لا يرون أولوية لمهاجمة العراق فيما العنف يتصاعد في فلسطين كما استنتج تشيني وكما صرح بعض المسئولين العرب أنفسهم، فإن المطلوب هو تخفيض العنف في فلسطين الى الدرجة التي تسمح بأن يكون ضرب العراق هو الأولوية التي يمكن فرضها على الجميع! هذا هو أساس التحرك الأمريكي الجديد كما حدده الرئيس بوش ونائبه تشيني، والباقي كله تفاصيل: تمرير قرار مجلس الأمن عن الدولة الفلسطينية رقم 1397 مجرد تفصيل. ولذلك كانت حكومة شارون أول المرحبين به لأنها تعرف انه لا يضيف شيئا له قيمة في الموقف على الأرض، ولا يجبرها على الانسحاب، ولا يفرض عليها احترام قرارات الشرعية الدولية. وخروج عرفات من رام الله لحضور القمة العربية مجرد تفصيل قد يكون ضرره أكثر من نفعه، لأنه يعني قبول الشروط المذلة التي وضعها شارون، ولأنه يفتح الباب لضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية حول قيادة عرفات خلال المواجهة العنيفة مع العدوان الوحشي للجيش الاسرائيلي خلال الشهور الأخيرة، بينما لا يضيف شيئا لقمة بيروت.. فما ستتخذه في غياب عرفات ستتخذه في حضوره، بل لعلها في غيابه تكون أكثر حرجا امام الرأي العام العربي، وأكثر التزاما بعكس حقيقة الموقف الذي يفرضه صمود الشعب الفلسطيني في وجه العدوان الهمجي. ولقاء عرفات مع تشيني اذا تم بعد طول تمنع أمريكي - هو في النهاية مجرد تفصيل يزيد من وطأة أن تشيني بالذات هو الذي أفتى بأن استخدام الطائرات الفانتوم الأمريكية في ضرب المدن والمخيمات الفلسطينية - بالمخالفة للقواعد القانونية الأمريكية - هو من أعمال الدفاع عن النفس! ويقلل من جدواه أنه يجيء بعد أن أكد تشيني نفسه أن اللقاء لن يتم الا إذا استوفى عرفات الشروط التي وضعها مدير المخابرات المركزية الأمريكية تينيت في خطته المشهورة. واستيفاء الشروط يعني الصدام الأكيد مع منظمات المقاومة التي تقضي الخطة بتصفيتها واعتقال اعضائها وانهاء تواجدها باعتبارها منظمات ارهابية! كلها تفاصيل في خطة تقول بوضوح أن الهدف هو تبريد الموقف في فلسطين تمهيدا لضرب العراق.. فماذا سيفعل قادتنا في قمة بيروت لمواجهة الموقف؟ قمة المقاومة للأنظمة العربية أن تذهب الى قمة بيروت لكي تكرس حالة العجز العربي في هذه الظروف الخطيرة، وانما المطلوب أن تكون القمة فرصة للانفلات من هذه الحالات التي جعلت الآخرين يقدمون على جرائمهم في حقنا دون خشية من رد فعل لا على المستوى الرسمي ولا الشعبي. وما ينبغي أن يكون هاديا لعمل القمة أن المقاومة وحدها هي التي حفظت ماتبقى من شرف القمة، وان الدماء التي حررت الجنوب اللبناني هي التي مكنت الزعماء من أن يلتقوا في بيروت، والدماء التي تسيل على أرض فلسطين هي التي تمنع اغتصاب أوطان عربية أخرى وتحويل أهلها الى لاجئين. ومن هنا فهذه القمة لابد أن تكون قمة المقاومة العربية، وأن يكون ذلك واضحا في ذهن الجميع حتى ونحن نمد أيدينا نحو السلام. فبدون المقاومة سيكون السلام المفروض هو سلام اسرائيل وحدها، وبدون المقاومة سوف يكون أي حديث عربي عن السلام مجرد تسول سياسي في أحسن الأحوال، أو مكافأة مجانية للسفاح شارون وسياسته النازية في أسوأ الأحوال. فليكن دعم المقاومة هو الأساس في عمل القمة. وليكن القرار حاسما بأن المقاومة مستمرة ومشروعة وستلقى الدعم العربي الكامل حتى يتم الاقرار بانسحاب اسرائيل الى حدود الرابع من يونيو 67 وأن علاقات السلام الشامل ستنشأ حين يتحقق هذا الانسحاب، وحين يتم حل مشكلة اللاجئين على أساس قرارات الشرعية الدولية بالعودة والتعويض، وحين تدخل دول المنطقة كلها بما فيها اسرائيل ضمن اتفاق يضع منشآتها النووية تحت الرقابة الدولية ويجعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. ولسنا دعاة حرب ولا ينبغي أن نكون، ولكننا لا نستطيع أن نقرر حرمان شعب من حقه المشروع في مقاومة الاحتلال، ولا نتصور سلاما يمكن أن يتحقق - مهما قدمنا من تنازلات - مادام أحد الأطراف لا يؤمن الا بالقوة، وتضمن له الولايات المتحدة تفوقه العسكري وانفراده بامتلاك السلاح النووي وكل أسلحة الدمار الشامل.. ليمارس سياسة الابتزاز وينقاد بلا شك لحماقة القوة! إن مثل هذا القرار هو الذي يفتح أبواب التسوية الحقيقية ويقود الى السلام العادل اذا أدرك العالم - وفي مقدمته الولايات المتحدة الامريكية - ان العرب جادون في تنفيذه والتمسك بكل بنوده التي تؤازرها قرارات الشرعية الدولية. ومثل هذا القرار لا يضع قيودا على أي تحركات أو مبادرات سياسية، ولكنه يضعها في مكانها الصحيح، ويغلق الأبواب امام أي مناورات لتحويل عروض السلام العربية الى مجرد بداية لتفاوض لا ينتهي حول تحرير الأرض، والتزامات قبل الآوان بتطبيع تريد اسرائيل أن تفرضه على العرب جميعا.. وبالمجان! وتبقى بعد ذلك أمام القمة مهمتان أساسيتان: الأولى.. هي مواجهة التهديدات الأمريكية بضرب العراق، وأظن أنه لا خلاف بين الجميع - بمن فيهم الكويت - على رفض هذه التهديدات، وهذا أمر طيب، ولكنه لا يكفي، فالمطلوب الآن وبعد أن أدرك الجميع حجم المخاطرات التي لن تستثني أحدا - أن يكون هناك اقتحام جريء لما أصبحنا نسميه ملف الحالة العراقية - الكويتية. اقتحام يتحمل المسئولية ويضمد الجراح ويعترف بالخطأ ويعطي للأمة أملا جديدا في اجتياز هذا المأزق التاريخي. ولا تبتعد المهمة الثانية عن الاولى كثيرا. فهي تتعلق بمقاربة مطلوبة لخطاب ولي عهد السعودية الأمير عبدالله امام قمة دول الخليج الاخيرة بمسقط، وخاصة ما يتعلق منها بالنواحي الاقتصادية والعسكرية. لقد سمعنا قبل ذلك عن قمة خاصة للشئون الاقتصادية تم بعد ذلك دفنها بهدوء، ومازالت خطوات العمل المشترك اقتصاديا تواجه المصالح القطرية أو حتى الشخصية الضيقة. وفي عالم لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة تصبح الأوضاع الاقتصادية الحالية عبئا لا يستطيع العرب تحمله اذا كانوا جادين في التعامل مع المستقبل. ثم تأتي بعد النقطة المهمة في حديث ولي عهد السعودية والتي سبق ان توقفنا عندها وطالبنا الجميع بأن يتوقفوا طويلا عندها، وهي تساؤل عن مصير اتفاقية الدفاع العربي المشترك. وهو تساؤل تستوجبه الأحداث وتفرضه المصالح العليا للأمة بعد أن اثبتت الأيام أن الأمن العربي كله مكشوف، وان الاعتماد على الغير له تكلفته العالية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا التي تتزايد وطأتها يوما بعد يوم.. والحديث هنا ذو شجون وربما نعود اليه بالتفاصيل المؤلمة في مقال آخر. مع كل التمنيات بقمة على مستوى الأحداث، وبقرارات تعبر عن ضمير الأمة، وبوقفة تعلن ان العرب مازالوا قادرين على المقاومة.. وبكل الوسائل.. والباقي كله تفاصيل! ـ نائب رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» المصرية