حاولت أن أجد مبرراً مقنعاً أو سبباً وجيهاً واحداً لاختيار تلك اللقطة من الفيلم الأجنبي الذي كانت تعلن عنه احدى محطاتنا الفضائية واستخدامها في البروموشن (الاعلان التنويهي) الذي ظل يطاردنا على مدى أسبوع تقريبا داعيا إيانا إلى ترقب الفيلم، فذهبت كل محاولاتي أدراج الرياح ولم أجد ذلك السبب أو المبرر. من بين كل اللقطات التي يزخر بها الفيلم ـ بالتأكيد ـ لم يجد من قام بعمل ذلك الإعلان سوى لقطة يظهر فيها البطل وهو يتلفظ بكلمات بذيئة صارخا (Son of.) تلك العبارة المعروفة التي طالما عملنا على تجنيب أطفالنا سماعها درءاً لتعودهم التلفظ بها، ومع ذلك فقد ظل الإعلان يلاحقنا في مختلف الأوقات التي لم تستثن منها الفترات المخصصة للأطفال إلى الدرجة التي اعتقدنا معها ان الهدف هو الترويج لهذه الشتائم أكثر منه الدعوة لمشاهدة الفيلم. ولم تنجل عنّا تلك الغمة إلا بعد حلول موعد عرض الفيلم وتوقف الإعلان عنه. وأعتقدنا ان الأمر صدفة لن تتكرر أو خطأ غير مقصود، وتعاملنا معه بحسن نية ليصدمنا الإعلان التالي عن فيلم ثان ينتهي بقبلة محمومة تقضي على اعتقادنا السابق، وتستغل طيبتنا ساخرة من حسن نيتنا لتجعلنا نشعر بأن هناك اصراراً من المكلفين بإعداد هذه الإعلانات التنويهية في تلك المحطة على استخدام هذه النوعية من الجمل واللقطات التي تخدش الحياء وتجرح الأذن، الأمر الذي يدفعنا إلى فتح ملف الرقابة والدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام في الحفاظ على الذوق العام وإرساء المباديء الأخلاقية لدى مشاهديها، لاسيما أولئك النشء الذين هم أكثر فئات المشاهدين تعرضاً لبرامج التلفزيون بحكم السن وفسحة الوقت المتاحة لهم، وعامل الاندهاش الأقوى لديهم، والرغبة في الاكتشاف. رُب قائل يقول إنه ملف قديم قد تضخم بحكم ما أودع فيه الكتّاب والتربويون والمصلحون الاجتماعيون من أوراق تراكم عليها الغبار دون ان يتسرب شيء منه إلى أنوف أولئك المعنيين بالأمر أو يحرك فيهم شعرة، بدليل هذا الاصرار المتزايد على إغماض عيونهم وسدّ آذانهم عن سماع مثل هذه الدعوات أو اعارتها أدنى اهتمام، وكأنهم ليسوا من نسيج هذا المجتمع تربطهم به صلات يشكل الابناء (فتياناً وفتيات) والاخوان (ذكوراً واناثاً) نسبة كبيرة من جمهورهم.. ثم تأتي بقية فئات المجتمع من الأعمار الأخرى لتشكل النسبة المكملة التي لا يعني بلوغها سن الرشد أن نجرح آذانها أو نرمي بالقذى في عيونها بحجة انها فئة راشدة لا خوف عليها من الانحراف، إذ أن للذوق العام حظاً لا يمكن إغفاله بدعوى الانفتاح على الفنون والثقافات الاخرى، فلذلك طرق ومنافذ معروفة ليس من بينها فتح جميع الأبواب كي تهب الرياح من كل الاتجاهات حاملة معها الروائح الطيبة والكريهة. هل تستحق جملة ولقطة في إعلانين تنويهيين منا كل هذا الانفعال؟ نعم تستحق.. فليست القضية قضية جملة ولقطة، ولكنها قضية ذوق عام انحدر إلى هذا الدرك الذي جعل المكلف بإعداد الإعلانات التنويهية (Promotions) لا يجد ما يستثير به المشاهد ويجتذبه ويدفعه إلى ترقب موعد هذين الفيلمين سوى عبارة تحمل من البذاءة ما تحمل، ولقطة تحمل من الاثارة ودغدغة الغرائز ما يستقر لديه انه خير وسيلة للوصول إلى غاية يفترض انها تحمل من النبل كمّاً هو جزء من الرسالة التي يحملها التلفزيون كجهاز تنويري وتثقيفي يتعاظم دوره باطراد في الوقت الذي يتناقص فيه وعي بعض العاملين داخله وينساقون وراء اجتذاب المشاهد بأية وسيلة على حساب الغاية والرسالة التي يحملون. قبل سنوات لم تكن فيها للفضائيات هذه السطوة كنت شاهداً وطرفاً في مواجهة حدثت بين المسئول عن الرقابة في التلفزيون وشركة الاعلانات صاحبة حق الامتياز على الشاشة، وكان محل الخلاف حملة إعلانية لأحد المشروبات الغازية كانت ستدر مبلغاً يقارب المليوني درهم، وكان اعتراض الرقابة على أن الإعلان يستخدم مطرباً عالمياً شهيراً مصوراً إياه على أنه القدوة التي يجب أن يقلدها الشباب في الوقت الذي تنظر فيه الرقابة إليه ـ ويتفق معها في ذلك كثيرون ـ باعتباره ظاهرة ذات آثار سلبية على النشء يجب محاربتها. يبدأ الإعلان بلقطة لطفل يقف وحيداً في مسرح كبير ينظر باندهاش وترقب إلى الخشبة.. ثم تصدح الموسيقى صاخبة ويخرج من الكواليس «مايكل جاكسون» مؤدياً رقصته الشهيرة ذات الحركات السريعة المعروفة.. وخلال مدة الإعلان التي لا تتجاوز الدقيقة تنتقل الكاميرا عدة مرات بين وجه الطفل المنبهر والمغني الشهير الذي يتلوى راقصاً أو يرقص متلوّياً. وبعد أن ينتهي المطرب من أداء رقصته يقوم بتناول المشروب الغازي ويختفي لينطلق الطفل مقلداً حركاته وينهي هو الآخر رقصته بتناول المشروب نفسه، وتظهر في النهاية عبارة تقول: «... مشروب الجيل الجديد». كانت خسارة مليوني درهم في تلك الأيام ـ والموارد شحيحة ـ موجعة بالمقياس المادي البحت.. لكن خسارة جيل من الشباب والشابات كانت أفدح وأكثر إيلاماً بالمقياس الأخلاقي والتربوي، وفي ميزان من ينظر إلى الأمور نظرة أبعد من مجرد إعلان يضيف إلى خزينة التلفزيون مبلغاً مهما كان كبيراً، وينقص من خزينة الأخلاق والقدوة الحسنة التي نقدمها للأجيال القادمة ما لا يقدر بآلاف الملايين.. ولذلك كان الانتصار للأخلاق والرسالة السامية التي يضطلع بحملها التلفزيون فلم يجد الإعلان طريقه إلى هذه الشاشة في الوقت الذي وجد فيه من سال لعابه للمال فلم يأبه لحجم التدمير الذي يحمله الإعلان وأفسح له المجال للظهور على شاشته الأقل حساسية لمثل هذه الأمور. ما هو حجم الخانة التي سدها تصرف كهذا من محطة تلفزيونية أو اثنتين؟ وكم هو مقدار البلاء الذي منع وقوعه؟ ليس هذا هو السؤال إذا ما توقع البعض ان الاجابة ربما تكون مخيبة للآمال، فالشاهد في هذا الموقف هو حجم الاحساس بالمسئولية الذي كان يشعر به القائمون على تلك الأجهزة ودور الضمير الحي الذي غاب لتمطرنا فضائيات اليوم بهذا الكم الهائل من الانتاج الغث تسطح به عقولنا، وتحول به أبناءنا وبناتنا إلى «حيوانات راقصة» ماحية من أذهانهم ان الإنسان «حيوان ناطق» أي مفكر لم يخلق لمجرد اللهو والفرفشة والانبساط وهز الوسط كما يتعلمون في مدارسهم، وكما يفترض العقل والمنطق وتقول كل الشرائع.