كلما ساءت الأحوال.. وضاقت حلقات الحياة واستحكمت قفزنا عادة الى الوراء.. ننبش في التراب لعلنا نجد صفحات ناصعة.. حافظت على تألقها لانها لم تطلها ايدينا فلم تتلوث. الماضي هو ملجأنا الاثير نعرف دروبه جيدا. نختبيء بين صفحاته التي اصبحنا نحفظها عن ظهر قلب من كثرة ترددنا عليها وترددها علينا، اتحدث هنا بلساني المصري تحديدا. فكلما تردد اسم بلدي التصقت به عبارة أثيرة لدى كل مسئول صغيراً كان أم كبيراً.. العبارة هي «حضارة عمرها سبعة آلاف عام». وكأنه شارك في صنع هذه الحضارة واقامة لبناتها. هؤلاء يتذكرون جيداً الحضارة العريقة كلما حدثت كارثة او وقعت مصيبة في الديار. حدث ذلك مؤخراً عندما وقعت كارثة القطار، فقد سارع البعض بالقفز الى الوراء، مذكرين ايانا بأن السكك الحديدية بمصر هي الثانية ـ طبعا تاريخيا ـ على مستوى العالم. وأن عمرها يبلغ الآن 151 عاما، فبعد انشاء خط السكك الحديدية الأول في العالم بين مدينتي مانشستر وليفربول في انجلترا عام 1830، جاء انشاء اول خط للسكك الحديدية خارج اوروبا ليربط بين الاسكندرية والقاهرة عام 1851، ويصل طوله الى 209 كيلو مترات وتكلف 56 الف جنيه انجليزي او (استرليني) تم تسديدها على اقساط كل قسط بقيمة 8 الاف جنيه. لكن ماذا عن الحاضر الذي نهرب منه دائما. الآن يصل اجمالي اطوال السكك الحديدية في مصر الى 9 آلاف كيلو متر يسير عليها 1300 قطار يوميا، واجمالي عدد الركاب يقترب من 2.5 مليون راكب، ويتجه الى تسجيل نحو مليار راكب سنويا خلال سنوات قليلة. هذا عن الارقام الجامدة، لكن الواقع مر أليم. والاقتراب يكشف عن عورات لا يمكن سترها. وتظهر كل المساويء بصفة خاصة في الدرجة الثالثة. وهي الدرجة الاثيرة لدى غالبية الركاب. وسبب المحبة بل والعشق اقتصادي بطبيعة الحال، فهي الأرخص. نظرة عن قرب لعربة القطار من الدرجة الثالثة تكشف حجم المأساة اليومية التي يعيشها هؤلاء الناس، وهم الغالبية الكاسحة من المصريين. لنبدأ بالابواب. هذه الابواب لا تنغلق. الحل الوحيد هو ان يتم تكسير ما تبقى من اجزاء خشبية بالنوافذ المحطمة لحشرها بين الباب والاطار فينغلق طوال رحلة القطار. وعندما نتحرك قليلا الى الداخل نجد ما يفترض ان تكون مقاعد خشبية، لكن هذه المقاعد غالبا ما تكون محطمة كالنوافذ. واذا ما اسعدك الحظ بالجلوس، فستجد حتما ما يتدلى فوق رأسك. ليست ثريات بطبيعة الحال، بل اقدام ركاب آخرين، اسعدهم ـ هم الآخرون ـ حظهم، ووجدوا مكانا اعلى مقاما على رف الحقائب التي يفضل المسافرون الا يغامروا ويتركوها بعيدا عن أيديهم، لانهم ان غفلوا عنها لحظة لن يجدوها ابدا، فاللصوص كثر ويجيدون عملهم في كل الاحوال. أما عن الزحام فحدث ولا حرج. يكفي ان اقول انه من شدة الزحام تعلمت شخصيا النوم واقفاً. فالقطار الذي كنت استقله ايام الدراسة الجامعية بين بلدتي والقاهرة كان ينقل الآلاف من العمال والطلبة والموظفين. يخرج القطار مزدحما بالأساس من محطة الانطلاق. وهي طنطا، ثم تتوالى على هذه الكتلة البشرية موجات اخرى تنحشر حشراً في المحطات التالية. الحل الوحيد هو ان تلتصق بالباب العكسي المغلق وتنام ان امكن، وتضمن ان الاجساد البشرية لن تخذلك بالتحرك يمينا او يسارا. فليس هناك منفذ. والكتلة المتلاصقة لا تتفكك إلا في محطة الوصول. عندها يمكنك ان تستيقظ لتبدأ يوم عمل او دراسة بكل نشاط وهمة! هذه فقط بعض الملامح الصغيرة من قطارات الدرجة الثالثة التي تحتوي على الكثير من الحكايات والمواقف وتكشف عن حجم هائل من المعاناة ولا احد يتحرك او حتى يحاول لتستمر المأساة، والغالبية المطحونة لا تجد من يخفف عذاباتها وفي بعض الاحيان تلقى حتفها حرقا كما حدث أخيرا. aalqadi@hotmail.com