باسم «الحرية الصامدة» شن جورج بوش الحرب ضد تنظيم «القاعدة» الاسلامي وحليفه نظام طالبان الافغاني، وتحت القهر العسكري يأمر الرئيس الامريكي الآن بتقديم مئات من معتقلي «القاعدة» وطالبان الى محاكم عسكرية مسارها «القانوني» مقرر سلفا. ومثل نموذج «محاكم أمن الدولة» الذي بات «علامة مسجلة» لانظمة العالم الثالث المتخلفة ذات الطابع الاستبدادي، فان نموذج المحاكم العسكرية الامريكية الذي اعلن عنه هذا الاسبوع يجمع كلا من المدعي والقاضي وجهة الاستئناف في جبهة واحدة ضد المتهم ، فالمدعي عسكري تابع للقوات المسلحة .. وكذلك القاضي، اما الجهة التي تنظر في استئناف الحكم اذا رفع اليها استئناف فهي جورج بوش .. لاغيره، لا بصفته رئيسا للجمهورية وانما بصفته القائد الاعلى للقوات المسلحة. وعن جورج بوش كرئيس صدر في الأصل «الامر التنفيذي» بانشاء هذه المحاكم العسكرية، وعنه ايضا تصدر التشكيلات القضائية لهذه المحاكم من ضباط كبار .. وكذلك اوامر تعيين المدعين. وعندما يتلقى الرئيس بوش استئنافا من متهم بعد صدور حكم عليه فان بوش يكون في هذه الحالة الخصم والحكم في آن معا. واذا كان من المفترض ان الرئيس، بوصفه القائد الاعلى للقوات المسلحة سوف يستعين بنصح وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، فان فداحة هذا العبث القانوني تتضح اكثر، فمنذ ان جرى ترحيل المعتقلين بالمئات من افغانستان الى معسكر جوانتانامو وحتى اليوم بعد صدور امر محاكمتهم عسكريا، ظل كل من الرئيس ووزير دفاعه ينعتهم بأنهم «اخطر الاشرار في التاريخ». ومعنى هذا بكلمات اخرى ان هؤلاء المعتقلين صدر ضدهم حكم الادانة مسبقا حتى قبل تقديمهم الى المحاكمة، فهم انتقلوا من مرحلتي الاشتباه والاتهام الى مرحلة الادانة رأسا، دون الحاجة الى مثولهم حتى امام محاكم صورية. النوايا اذن مبيتة والاحكام صادرة ومعدة وجاهزة .. كل ذلك قبل ان تنعقد محاكمة، فماذا تركت الدولة العظمى لدول العالم الثالث المتخلفة؟ المضحك المبكي ان الولايات المتحدة لا تزال حتى هذه اللحظة ماضية في القاء المحاضرات الوعظية على حكام العالم الثالث حول فضائل حقوق الانسان بما فيها سيادة القانون و «الحق في محاكمة عادلة تتوفر فيها كل شروط الدفاع عن النفس». المحاكم العسكرية هي بالضرورة محاكم استثنائية، واستثناء الاستثناء هو ان يقدم اليها متهمون او مشتبه بهم مدنيون. وبهذه الصفة فهي احدى الادوات التي يلجأ الحكام في دول العالم الثالث الى استخدامها ضد الخصوم والمعارضين السياسيين عندما يعجزون عن التعامل معهم بوسيلة القانون العادية. وبهذه الصفة ايضا فانها تعكس حالة من الافلاس الديمقراطي والسياسي. هذا الافلاس الديمقراطي والسياسي هو الذي بات الآن علامة مميزة للولايات المتحدة في عهد ادارة جورج بوش، وهو افلاس ينطوي ايضا على تمييز عنصري . والا فلماذا استثني المواطن الامريكي جون ووكر من المحاكمة العسكرية وقدم عوضا عن ذلك الى محكمة مدنية عادية؟ مثل المئات من غير الامريكيين الذين تقرر تقديمهم الى محاكم استثنائية عسكرية، فان جون ووكر يحاكم كعضو في تنظيم «القاعدة» ومؤيد لنظام طالبان الافغاني، لكنه يعامل بصورة مختلفة جذريا عن زملائه، لا لأي سبب الا لأنه امريكي ولأن الآخرين غير امريكيين، فلماذا هذه التفرقة والتهمة الاساسية واحدة في كل الحالات؟ ومع ذلك فان جورج بوش لا يكف عن تذكير العالم بأن حملته العالمية ضد «الارهاب» هي من اجل حماية القيم الديمقراطية. اي ديمقراطية وأي قيم؟