منذ أن ولدت الحركة الصهيونية وهي تدعي التحدث باسم كل الجماعات اليهودية في العالم وتدعي أن الدولة التي تريد إنشاءها ستكون دولة اليهود في العالم كله، ومنذ نشأة الكيان الصهيوني وعلاقته بالجماعات اليهودية في العالم تمر بأزمات سببها رفض الجماعات اليهودية في العديد من دول العالم وبخاصة الدول الغربية المتقدمة وجنوب أفريقيا، وهي جماعات رفضت الهجرة للكيان الصهيوني رغم أن عمره تجاوز خمسين عاما، ورغم أنه يحاول تصوير نفسه واحة تقدم وديمقراطية، ورغم أنه مدجج بأكثر الأسلحة تقدما كما يملك أنيابا نووية. وبعد أن حقق هذا الكيان: «انتصارا كبيرا» على ثلاث دول مجاورة في يونيو 1967، فإن نشوة النصر دفعت بعض رافضي الفكرة الصهيونية من يهود العالم لقبولها، لكنه لم يدفع أكبر الجماعات اليهودية للهجرة إلى الكيان الصهيوني. وقد استخدم لفظ «الدياسابورا» لوصف وضع الجماعات اليهودية الموجودة خارج الكيان الصهيوني، وكان نجاح الصهيونية يستلزم بالضرورة القضاء على الدياسابورا ليصبح الكيان الصهيوني دولة كل يهود العالم، غير أن المحصلة كانت حكما على الصهيونية بالفشل الذريع، رغم قيام الدولة وانتصارها على «أعدائها ». وسبب الفشل أن الكيان الصهيوني الذي نشأ قبل أكثر من خمسين عاما بحوالي سبعمئة ألف مهاجر صهيوني هاجر منه - نعم هاجر منه - ما بين سبعمئة وخمسين ألفا ومليون مهاجر يهودي يشكلون دياسابورا جديدة أضيفت إلى جماعات يهودية أخرى هي «الدياسابورا الإسرائيلية» والاسم وحده يكفي لتجسيد الفشل. ومن بين حوالي تسعمئة ألف مهاجر من الاتحاد السوفييتي وحوالي أربعين ألفا من إثيوبيا هاجروا للكيان الصهيوني خلال الأعوام الإثنى عشر الماضية يوجد ما بين 30 و 50% مشكوك في يهوديتهم، أي أن الدولة التي أنشئت ليهاجر إليها اليهود أصبحت مصدرا لهجرة اليهود، بينما تستقبل مجموعات بشرية غير محددة الهوية. وبعد أكثر من قرن من الجهود الصهيونية المكثفة والدعم الغربي غير المحدود، يعيش في الكيان الصهيوني 5.2 ملايين يهودي يمثلون 38% من يهود العالم، بينما يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ستة ملايين يهودي. فأي نجاح حققته الصهيونية؟! تجارة الخوف وما تشهده فرنسا حاليا من نقاشات محتدمة في صفوف الجالية اليهودية فيها حول العلاقة مع الكيان الصهيوني موقف جدير بالتأمل ومحمل بدلالات شديدة الأهمية. وقد سبقت هذا الجدل مقدمات تمثلت في إعلان الدولة الصهيونية لأول مرة عن مخطط لتهجير مليون يهودي من الدول الغربية المتقدمة (الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية بالإضافة إلى أستراليا والأرجنتين وجنوب أفريقيا). كما أعطى هذا المخطط أهمية خاصة ليهود فرنسا الذين يبلغ عددهم 700 ألف. وبعد قليل وفي مطلع عام 2002 صرح السفير الإسرائيلي في باريس بأن فرنسا تشهد أعنف مظاهر معاداة السامية في أوروبا. وتناقلت وسائل الإعلام الفرنسية حينها هذا التصريح بوصفه «ناقوس خطر» يدق بفعل تزايد «الاعتداءات »على المؤسسات اليهودية، وكانت النغمة السائدة في الإعلام أن ذلك «يهدد البلاد»، وينذر بمواجهات على أساس ديني / عرقي، ويخترق صمام الوحدة الجمهوري / العلماني التقليدي في فرنسا. ونشر نائب وزير الخارجية الإسرائيلي ميخائيل ملشيور مقالا على صفحات جريدة «لوموند» فضح من خلاله دواعي الحملة الصهيونية وأهدافها، وبدا حينها أن الحملة الصهيونية من أجل دفع اليهود الفرنسيين الذين يشكلون أكبر جالية يهودية في أوروبا للهجرة إلى «إسرائيل»قد بدأت تأتي بثمارها. وقد كتب فرنسي يهودي «هنري إسرائيل» ردا قويا على ملشيور جاء فيه أن للصهاينة هدفا رسميا من وراء إثارة قضية العداء للسامية يتمثل في إثارة هجرة جميع اليهود إلى إسرائيل بدعوى أنهم سيعانون من معاداة السامية أينما حلوا. «ومن دون شك أن دولة إسرائيل تفكر أن بمقدورها حل المشكل الديمغرافي الذي تواجهه بالكذب والدعاية وبمختلف أشكال المناورات والتضليل». «لقد حان الوقت ليقف يهود فرنسا ويصرخوا عاليا وبقوة أنهم فرنسيون، وأن بلدنا هي فرنسا، وأن ثقافتنا فرنسية، ومستقبلنا أوروبي».ذلك أن اللعب على حبل «البارانويا»الجماعية الانفعالية من أجل إقناع قلة من الناس بأنهم معرضون لكل أنواع المخاطر يعد عملا مرفوضا. «ليس هناك موجة معادية لليهود، إن الأمر لا يتعدى كون أن البعض يريدون أن يمر النزاع الفلسطيني الإسرائيلي عبر باريس و يخلطون بين دولة إسرائيل واليهود. وليس لأن بعض الأشخاص صرخوا (الموت لليهود) خلال مظاهرة دعم للفلسطينيين فإننا نواجه عودة اللاسامية ». ومحاولات الكيان الصهيوني بث الرعب في نفوس أعضاء جماعة يهودية لدفعهم للهجرة إليه أمر مسبوق، فعندما رفض يهود العراق الهجرة للكيان الصهيوني قامت المخابرات الإسرائيلية بوضع قنابل في أماكن تجمعهم لدفعهم للهجرة تحت وطأة الخوف. وأضاف هنري إسرائيل: «لكن عندما تمارس شخصيات تمثل الجالية اليهودية الخلط والرعب الفكري لمطالبة اليهود بالموافقة المطلقة على ممارسات أرييل شارون، فإنهم يشجعون أكثر من أي شخص آخر الاعتقاد بأن هناك في أوساط الجالية اليهودية شعورا بولاء وانتماء مزدوج لا يخدم لا مصالح اليهود في فرنسا و لا المجتمع الفرنسي ككل ». «وكمواطن فرنسي، أرفض أن يتجرأ وزير أجنبي ويقول لي ماذا ينبغي أن أكون، وماذا علي فعله وأين ينبغي أن أعيش. وإنني أفترض كذلك أن المساعدات المقدمة من قبل الوكالة اليهودية من أجل استقبال الناجين الجدد المزعومين من معاداة السامية ستجد مكانا لها في مستوطنات غزة أو القدس الشرقية. لا، حقيقة حان الوقت لكي نقول للحكومة الإسرائيلية هذا كثير، كثير ». ما يعكسه الحوار الدائر في فرنسا أن الصهيونية لم تنجح في إقناع القسم الأكبر من يهود العالم بمشروعها، لكنها تعكس في الوقت نفسه تصاعد إحساس قطاعات واسعة من الجماعات اليهودية في العالم بأن الكيان الصهيوني وسياساته عبء عليها، وهناك مواقف مشابهة تصدر من آن لآخر من جماعات يهودية أخرى، كما حدث مؤخرا في جنوب أفريقيا. وإذا كان العنف الذي يمارسه الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين يجعل رغبة أي يهودي في الدفاع عن سياساتها القمعية أمرا صعبا، فإن سلوكيات رسمية أخرى تضع أعضاء الجماعات اليهودية أمام تحديات أكبر، وبخاصة ما يثير قضية ازدواج ولاء اليهودي بين الكيان الصهيوني وبين الوطن الذي ينتمي إليه بالميلاد والجنسية. وقد كان تعقيب اليهودي الوحيد الذي كان عضوا في الحكومة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور بأنه يرفضه لأنه «جعل لتهمة ازدواج ولاء اليهودي أساسا موضوعيا لأول مرة »، لكن سلوك الكيان الصهيوني أضاف سوابق أخرى لعل أشهرها قضية الجاسوس الأمريكي جوناثان بولارد الذي تجسس لحساب الكيان الصهيوني بدوافع دينية وأدى القبض عليه لإثارة قضية الازدواج وأكد كثير من قادة الجماعات اليهودية آنذاك إدانة سلوك بولارد. فإذا كانت مخططات التهجير تثير القضية في بلد مثل فرنسا فإن هذا من المؤكد أن يدفع المزيد من يهودها للتنصل من الصهيونية. غير أن أحداً من المحللين الذين تناولوا هذا المخطط الصهيوني، لم يشر إلى دلالة يشير إليها رغم أهميتها الشديدة سياسيا ومعرفيا على السواء، هي أن رغبة الكيان الصهيوني في تهجير يهود الدول الغربية وبخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية (بغض النظر عن احتمال استجابتهم قبولا أو رفضا) يعني أن قادته يدركون أن الدعم الغربي للكيان الصهيوني ليس سببه وجود هذا اللوبي «الخارق »المسيطر على مقدرات الدول الكبرى شرقا وغربا. فبقاء جماعات يهودية في العواصم الغربية هو ما يضمن استمرار هذا اللوبي، والرغبة في تهجير هذه الجماعات يكشف القناع عن حقيقة أن الدعم الغربي لهذا المشروع جزء من رؤية الغرب لذاته وللعالم، وأن ثمة اعتبارات مصلحية (نفعية) ودينية وثقافية تضمن استمرار هذا الدعم غير المحدود. وهذا هو الدرس الأكثر أهمية. ـ كاتب مصري