زاد الخير: للأمهات مفاتيح القلوب، والجنة تشرع أبوابها تحية لعطائهن. أولئك المعجونات بالرقة والحنوّ، يكاد يُرى البياض في أيديهن التي تنضح بشفافية لا حدّ لها. في كل يوم، تزهر صورتها في قلبي وكياني، لذا لم أجرؤ على مخاطبتها بيوم عيدها الكوني.. حتى لا يستحيل الأمر تقليداً، وتغدو معه التحية للأمومة أشبه بكرنفال شكلي عاديّ المضمون. أحسّ الأيام كلها تحت ناظريها، تحرسني بدعائها من ذلك المكان البعيد، وتوجّه خطاي إلى سواء السبيل.. ولا أدري ما السرّ الذي يقودني إلى سنواتي الأولى، فأنصتُ إلى حدائها الحنون، واحتضانها لي من غضب أبي على شغبي وعنادي! تلك المسكونة بالتقوى الفطرية، وحب الله ورسله، كانت تخاف على بقايا الخبز، ذلك «العيش» المقدّس، وبأسلوبها النابع من إيمان عميق بعطاء الخالق، كانت تحثّني وإخوتي على تناول تلك «الكسرات» مع كوب شاي الصباح، لان ذلك «يطيل شعرنا»، وكنا نقتنع تماماً، لان ذلك كان من أجمل أحلامنا. لم تتعلّم أمي في كلية أو جامعة، لكنها نهلت معارفها من مدرسة الحياة، فصبرت خلال أيام الشقاء، وأشارت إلينا نحو العلم الذي يحقق لنا العزة، وفي يقينها أن غبطتها تكمن في وصولنا إلى مستقبل هانئ. ها هي اليوم.. تشارف السبعين من السنين، ولا تزال تغدو بعد صلاة الفجر نحو «الكرم الجديد» تتفقد الزرع وتمنحه بركتها، فيما التنور الذي بنته بالطين في حديقة دارنا لا تزال ناره مشتعلة، ولا طعم ولا نكهة إلا لخبزه وفطائر زعتره التي تصنعها يداها. في زمن الاحتلال حفظت أمي الدار بعيونها وقلبها، لم تنم إلا قليلاً، أو بعد اطمئنانها إلى ذهاب «الغول» بعيداً. سألوها كثيراً عنّا، فلم يجدوا الجواب، كانت تحضّر لنا «زوّادة التخفّي» بما تيسّر لها من حنطة وخضرة، وتحصّنها بالدعاء والأمل. وأمي مثل معظم أمهات بلادنا، هي زاد للخير والشجاعة، وعندما يشيد الناس ببسالة واحد منهم، يقولون: «شبعان من حليب أمّه». لذا هي أصل الشجاعة ومن نسغها تسري في عروق الأبناء والبنات، روح الإباء وعزّة النفس وعشق الحرية وسلوك دروب المجد. ـ ـ ـ أجمل الأمهات سمعت يوماً أن أجمل الأمهات من انتظرت ابنها المحارب وعاد مستشهداً، فيما أرى أجملهن من تعانق بدموع الفرح ولدها العائد غانماً أو طليقاً من براثن الأسر. وهذا الكلام لا يقلل من قيمة الشهادة النبيلة في نفسي، فقد فقدت كثيراً من الأحبة قريبين وبعيدين قضوا شهداء في هوى شعبهم وأرضهم. لكنه هاجس ربما يكون خيالياً بعض الشيء، لذا أعترف بأنني أحقّق سعادتي الغامرة حين يتناهى إلى مسامعي نبأ انتصار ما، يكون فيه عدد قتلى العدو أضعاف الشهداء من أهلي. وصرت أنتظر يومياً خبراً عاجلاً من الميدان عن مقاتل شبيه بذلك الجَسور الذي أربك قادة إسرائيل وأجهزتها حين أصاب أفراد حاجز عسكري في الأراضي المحتلة، واحداً تلو الآخر، فسقطوا قتلى وجرحى. ثم انسحب بهدوء عظيم تاركاً لهم بندقيته «الكارابين» العتيقة، فأصيب العالم بذهول لشجاعة هذا الفدائي، فيما الصحافة الاسرائيلية علّقت بازدراء على هيبة الجيش «الذي لا يقهر»، فكتب أحد المعلّقين: «إن الفلسطيني مصمّم على القتال لتحرير أرضه حتى بمكنسة»! ولا بدّ من القول إن ثمة صلة قربى ما بين سقوط المحارب شهيداً أو عودته منتصراً أو محرّراً. وأن يبذل شعب الدم في كفاحه من أجل الحرية، فذلك قدر لا فكاك منه، وأجزم أنه لن يصيب أحداً بيأس، بل يبعث في نفسه إصراراً على المضي بلا خوف نحو الهدف التالي. لكن ثمة نظرات من أمهات فلسطين تصيبني بالخجل، حين أشاهدها على شاشات التلفزة وفي الصحف ووسائل الاعلام الأخرى. وهذا ما يولّد في نفسي توقاً إلى ازاحة الحزن المقيم في عيونهن بين الحين والآخر. فالمسألة تحتاج نصراً، والمعركة سياقها كرّ وفرّ، ومن الطبيعي أن ينال العدو قسطه من الخوف والألم من خلال توازن رعب يحققه فدائيون شجعان. حزن الأم الفلسطينية لابدّ أن يعقبه نصر وفرح بالضرورة، حتى يتسنى لها الصمود أمام آلامها الآتية، وصولاً إلى تحقيق حلم شعبها بالحرية.