للمرة الثالثة خلال سنوات قليلة يحطم رجال المقاومة الفلسطينية واللبنانية أسطورة الدبابة الاسرائيلية (ميركافا-3) التي طنطنت لها أجهزة الاعلام والدعاية الاسرائيلية طوال السنوات العشر الماضية، وأنها فخر الصناعة الحربية الاسرائيلية باعتبارها دبابة القتال الرئيسية للقرن الحادي والعشرين التي لا تقهر، سواء بوسائل النيران المباشرة أو غير المباشرة بما في ذلك أحدث الصواريخ المضادة للدبابات في العالم من الجيل الثالث، وذلك لما تتميز به من تدريع سميك لا يمكن اختراقه، وسرعة عالية على التحرك مع خفة حركة توفر لها قدرات عالية على المناورة، بجانب قوة نيران متفوقة ومتنوعة، وامكانيات تحميل جماعة مشاة داخلها، الأمر الذي جعل الاصدارات الاستراتيجية العالمية مثل (الجينز) والميزان العسكري الصادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن IISS يضع الدبابة الميركافا في مصاف أحدث الدبابات في العالم.. مثل الدبابة الأمريكية (إبرامز م-2) والألمانية (ليوبارد-2) والروسية (م-80) والبريطانية (تشالنجر) والفرنسية (لوكلير). وليس تدمير (الميركافا) الذي وقع في قطاع غزة يوم 14 فبراير الماضي بفعل لغم زرعته المقاومة الفلسطينية هو الأول من نوعه، بل الثالث. فقد سبقه حادثان كان الأول في 15 ابريل 2000 في مزارع شبعا اللبنانية بواسطة صاروخ روسي مضاد للدبابات طراز (ساجر) من الجيل الأول أطلقه رجال المقاومة اللبنانية من داخل الحدود اللبنانية وعلى مسافة لم تتجاوز 2كم، نجح في تدمير (الميركافا) بالكامل وقتل ثلاثة من طاقمها واصاب الرابع، ثم كان الحادث الثاني في يناير الماضي الذي تحطمت فيه (ميركافا) أخرى بواسطة عبوة متفجرة زنتها حوالي 150كجم - أشبه بلغم - زرعتها المقاومة الفلسطينية على طريق كارف-نيتساريم شرق غزة، وقد أدت هذه العبوة الى انفصال برج الدبابة عن هيكلها وتمزق قاعدتها ثم احتراقها بالكامل، أما الحادث الثالث الذي وقع أخيرا فقد نتج عنه تدمير كامل للدبابة، مما دفع بجهاز المخابرات الاسرائيلية الى سرعة تغطية الدبابة ورفعها من مكانها حتى لا يتم رصد نقاط الضعف فيها، خاصة وأن انفجار الذخيرة المتواجدة داخل الدبابة تسبب في تناثر حطامها، مما يدل على وجود عيوب رئيسية في تصميم هذه الدبابة وصناعتها. وتزداد فجيعة اسرائيل في هذه الدبابة إذا علمنا أنها أنتجت ولا تزال تنتج منها الآلاف لتحل محل الدبابات الأمريكية (م-60أ3) المتواجدة في التشكيلات المدرعة الاسرائيلية، حيث يصل عدد الدبابات الميركافا من الطرازات 1، 2، 3 الى حوالي 2600 دبابة، مما ستضطر معه اسرائيل الى ايقاف خطة انتاجها ومحاولة علاج نقاط الضعف التي اكتشفت فيها، لاسيما وأنها بسبيلها لانتاج الدبابة (ميركافا -4) والتي من المفروض أن تكون قد تجاوزت نقاط الضعف والمشاكل التي برزت في الأجيال الثلاثة السابقة. قصة الميركافا بدأ التفكير في تصميم الدبابة ميركافا عقب حرب أكتوبر 1973، وفي ضوء الدروس التي أفرزتها هذه الحرب، وأهمها في النظرة الاسرائيلية نجاح الصواريخ المضادة للدبابات المصرية والسورية - ذات الأصل الروسي (ساجر) - في تدمير أكثر من 600 دبابة اسرائيلية خلال الأربعة أيام الأولى من الحرب، وكانت أكبر مفاجأة - بل مأساة - تتعرض لها القوات المدرعة الاسرائيلية عبر تاريخها، لاسيما وأنها تمثل (الذراع الطولى) للقوات الاسرائيلية بجانب القوات الجوية - التي تنقل بواسطتها المعركة الى أرض الخصم وتكتسح دفاعاته بسرعة، مستفيدة من قوة الصدمة التي تحققها ثلاثة عوامل رئيسية متوافرة في الدبابة تتمثل في مناعة الدرع، وقوة النيران، وخفة الحركة، وبذلك يمكنها تدمير وسائل نيران الخصم وقواته البشرية، والوصول الى عمق دفاعاته في توقيتات قياسية، وتحقيق الأهداف والمهام الاستراتيجية للحرب، تمشيا مع مبادئ وأسس نظرية الأمن الاسرائيلية المعروفة. فاذا بهذه الصواريخ المضادة للدبابات - صغيرة الحجم ورخيصة الثمن، والتي من السهل اخفاؤها في أي ثنية أرضية أو خلف مبنى صغير، والسهل نقلها من موقع الى آخر، يمكن لها أن تقوض هذه النظرية، وتشل عمل الفرق المدرعة الاسرائيلية بما تكبدته من خسائر بشرية ومادية جسيمة. لذلك بدأ التفكير في سلاح المدرعات الاسرائيلي في تلافي هذه المشاكل، والبحث في كيفية المحافظة على (قوة الصدمة) للدبابة الاسرائيلية، وذلك بواسطة لجان عديدة اشتركت فيها الصناعة الحربية الاسرائيلية IMI تحت اشراف الجنرال (يسرائيل طال) الذي يعتبر (أبو المدرعات) في اسرائيل، واستهدفت الأبحاث زيادة فاعلية العناصر الثلاثة المكونة (لقوة الصدمة) وذلك من خلال زيادة قوة نيران الدبابة، وتقوية درعها ليقاوم الصواريخ المضادة للدبابات، وزيادة سرعتها وقدرتها على المناورة، هذا بالاضافة للتوصل الى قرار هام في تصميم هذه الدبابة (الميركافا) وهي أن تكون قادرة على حمل 8-10 أفراد (ما يساوي جماعة مشاة)، بحيث يمكن لها عند الاصطدام بموقع معادي مضاد للدبابات غير مرئي من داخل الدبابة، أن يترجل هؤلاء الأفراد المشاة من الدبابة، ويقوموا بالبحث عن الموقع المضاد للدبابات وتدميره قبل أن تتورط الدبابات في مدى نيرانه، وبذلك يمكن أولا بأول تطهير طريق تحرك الدبابات أثناء الهجوم من العناصر المعادية. ولقد بديء في انتاج الدبابة الميركافا (1) في عام 1979 بالمواصفات السابقة بمحرك ديزل الماني تستخدمه الدبابة الألمانية (ليوبارد-2) قوته 900 حصان ومدفع 105مم ومدى عمل 400كم، وقد شاركت هذه الدبابة في الحرب اللبنانية 1982. وفي عام 19841983 تم تطوير الدبابة (ميركافا-2) وذلك باضافة دروع سلبية، صارت خمسة دروع تصفيح من النوع المنفصل بين المقدمة وحجرة الطاقم لزيادة عنصر البقاء في مواجهة التطوير الذي استحدث في الجيل الثاني من الصواريخ المضادة للدبابات، مع تعديل صندوق التروس لزيادة السرعة بنسبة 25% بالاضافة لتطوير نظام ادارة النيران، ولكن بقى المدفع كما هو عيار 105مم. ومع بداية التسعينيات ظهر الجيل الثالث والحالي من الدبابة (ميركافا-3) والتي تميزت بنقلة نوعية كبيرة تمثلت في المدفع الأملس عيار 120مم، ومحرك 1200 حصان لتصل سرعتها الى 55كم/ساعة، مع استخدام التدريع بنظام الوحدات بحيث تكون قابلة للاستبدال في حالة الاصابة أو التطوير التكنولوجي للدروع. كما زاد مدى عمل الدبابة من 400كم الى 500كم، وارتفع معدل النيران من 8 طلقات/دقيقة الى 10 طلقات/دقيقة، وذلك نتيجة توفر حاسب آلي ومقدر مسافة ليزري ومستشعرات، بالاضافة لتحكم القائد في وسائل النيران، وجهاز رؤية حراري. أما الطراز الأحدث الجاري الحديث عنه حاليا (ميركافا-4) فيتوقع أن يكون مدفعها عيار 140مم ذو تعمير آلي، والاعتماد على الدرع الايجابي (Active) الذي يحتوي بداخله على مواد متفجرة تتفاعل عكسيا مع الموجة التفجيرية القادمة من الصاروخ المعادي وتردها الى خارج الدبابة، كما ينتظر أن تستخدم ال(ميركافا-4) الذخيرة السابو المطورة ذات القلب الخارق من مادة (التنجستين) بدلا من اليورانيوم المستنفد. مع توقع أن يقل عدد الأفراد المشاه بداخلها من 8 أفراد الى 4-5 افراد فقط لتخفيف الوزن. التوقعات المستقبلية مما لاشك فيه أن الحوادث الثلاث التي تدمرت فيها الدبابات الميركافا بوسائل بدائية تراوحت بين الصواريخ المضادة للدبابات والعبوات المتفجرة، ستدفع المسئولين في الصناعة الحربية الاسرائيلية وسلاح المدرعات هناك الى اعادة النظر في التصميم الأصلي للدبابة الميركافا لتحقيق قدرة أعلى على البقاء من خلال زيادة قوة الدروع، وهذه في حد ذاتها مشكلة لأن زيادة الدروع - سواء المتعددة أو (الشوبهام) أو الايجابية وامتداد الدروع الواقية الخارجية لتشمل الجزء الأعلى من الجنزير وخزان الوقود ومحرك الدبابة، بالاضافة للغطاء الواقي لرأس قائد الدبابة - سيترتب عليها زيادة في وزن الدبابة وبالتالي تقليل سرعتها وخفة حركتها وقدرتها على المناورة، مما يجعلها بالتالي صيداً سهلاً للصواريخ المعادية المضادة للدبابات المتطورة من الجيل الثالث (Fire and Farget) لاسيما تلك الصواريخ المحملة في الهليكوبترات الهجومية (مثل أباتشي) أو القادرة من مواقع أرضية على تنفيذ هجمات رأسية من أعلى Top Attack كما ستحد الدروع الاضافية من قدرة الطاقم على رؤية ميدان المعركة والسيطرة عليه بالنيران، ناهيك عن الصعوبة التي ستواجهها عمليات الاصلاح اذا ما تعطلت أو أصيبت الدبابة، حيث يستلزم الأمر نزع الدروع الاضافية أولا. واذا ما حاولت اسرائيل تدعيم بطن الدبابة (ميركافا) بتصفيح اضافي لوقايتها من الألغام الأرضية والعبوات الناسفة فإن ذلك سيشكل عبئا اضافيا عليها، بالنظر لزيادة وزنها وما يترتب على ذلك من تقييد خفة حركتها، كما سيكون ذلك أيضا على حساب حجم الذخيرة المزودة بها الدبابة، والفراغ اللازم لأفراد المشاة بداخلها، وبالتالي عدم توافر الراحة اللازمة لعمل أفراد الطاقم. لذلك يتوقع أن تعيد اسرائيل النظر في التصميم الرئيسي للدبابة الميركافا، بحيث تقضي على عيوبها الرئيسية وأبرزها وجود المحرك في مقدمة الدبابة واعادته للخلف مثل باقي الدبابات حتى لا يكون معرضا للنيران المضادة للدبابات، لاسيما وأن وجود المحرك في الأمام يعيق مدى البصر والنيران لطاقم الدبابة ومدفعها الرئيسي، بالنظر لوجود مساحة كبيرة من الأرض الميتة أمام الدبابة. مع عدم تحميلها بأفراد المشاة حتى تخفف من ثقلها من جهة، وتوفر فراغاً أوسع لراحة أفراد الطاقم من جهة أخرى. وستسعى اسرائيل في المقابل الى تطوير أساليب الاستخدام القتالي للمدرعات للاحتفاظ بقوة الصدمة وذلك بزيادة قوة النيران المصاحبة للدبابات سواء من قبل طائرات المعاونة أو الهليكوبترات الهجومية (الأباتشي) أو نيران المدفعية المرافقة. في ذات الوقت الذي ستسهم فيه كثيرا بزيادة خفة حركة الميركافا وقدرتها على المناورة، بزيادة سرعتها وعدم تحميلها بدروع اضافية، ودفع الدبابات (الدقاقة) باستمرار أمام التشكيلات المدرعة لتطهير طرق التحرك من الألغام الأرضية، أما مهمة القضاء على أطقم الصواريخ المضادة للدبابات التي تعترض هجوم الدبابات، فسيوكل أمرها لعربات القتال المدرعة المصاحبة لوحدات الدبابات. وستحتاج اسرائيل الى وقت طويل لكي تحقق هذه التعديلات في تصميم الميركافا وتصنيعها، وبما يقضي على العيوب الفنية والتكتيكية التي تعانيها، وتعديل الدبابات التي تم انتاجها، وربما تعود للاعتماد على الدبابة الأمريكية (ابرامز م-1و2) مرة أخرى. ـ خبير استراتيجي مصري