الوضع الأمثل للعلاقة بين العالم العربي والاتحاد الأوروبي هو قيام تحالف استراتيجي مستديم بينهما قوامه ما يربط بين الطرفين من الجغرافيا والتاريخ وعوامل التكامل الاقتصادي والوشائج الثقافية. لكن يبقى الشرط الأساسي لترجمة هذا الحلم الى حقيقة ملموسة هو تحرر كل من الطرفين من الهيمنة الامريكية بصورة كاملة. لقد تبلورت السيطرة الأمريكية في المنطقتين في أعقاب الحرب العالمية الثانية وترسّخت على مدى عقود مرحلة الحرب الباردة حتى أوائل عقد التسعينيات من القرن المنصرم. فهل هناك مؤشرات يمكن ان يستدل بها على ان أياً من الطرفين العربي والاوروبي أو كليهما يعتزمان بجدية التخلص نهائياً من هيمنة الولايات المتحدة؟ والاجابة هي «لا» بالنسبة للطرف العربي و«نعم.. الى حد ما» بالنسبة الى الطرف الأوروبي. والمعضلة القائمة بالنسبة الى أوروبا هي انها في سبيل التحرر الكامل من واشنطن تحتاج الى «ورقة» عربية تستقوي بها على الهيمنة الامريكية. وللانصاف يجب ان نقول انه بينما يتضاعف استسلام العرب للسيطرة الامريكية فإن الاتحاد الاوروبي أخذ على الأقل يتذمّر بصوت مرتفع في وجه الولايات المتحدة ويبدي علامات تمرد خاصة من جانب فرنسا وألمانيا، أكبر عضوين في الاتحاد. والغريب ان العوائق الثابتة التي تقف في طريق أي مسعى أوروبي للتحرر من السيطرة الامريكية أعظم من تلك التي تواجه العالم العربي. فهناك ثلاث ظواهر في أوروبا تمثل مصدات شديدة القوة لصالح النفوذ الأمريكي: الأقلية اليهودية في كل دولة اوروبية ومعها مؤسساتها الصهيونية. وهذه المؤسسات ترى ان من صالح الدولة الاسرائيلية وبقائها التفوقي في الشرق الأوسط بقاء التبعية الأوروبية للولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي الأعظم لاسرائيل. والظاهرة الثانية هي نفوذ رأس المال الأمريكي على الاقتصادات الوطنية الاوروبية من خلال «الشركات متعددة الجنسية». والظاهرة الثالثة تتمثل في ارتهان أوروبا الى القوة العسكرية الامريكية من خلال الحلف الأطلسي «ناتو». وهكذا رغم النفوذ الصهيوني الراسخ ورغم النفوذ الأمريكي المباشر بشقيه الاقتصادي والعسكري أخذ قادة أوروبيون يتمردون على الولايات المتحدة ويجهرون بالاحتجاج على الهيمنة الامريكية. ويبقى تساؤل: لماذا لا يفرض الاتحاد الاوروبي نفسه بقوة على المشهد الشرق أوسطي ليلعب دورا أكبر من الدور الامريكي أو على الأقل موازياً له؟ هذا التساؤل يطرح عربياً على أساس فرضية ان الاتحاد الأوروبي يتبنّى موقفاً رسمياً تجاه معضلة الشرق الأوسط يتسم بالعدالة بالمقارنة مع الموقف الانحيازي الامريكي الذي هو في الحقيقة متطابق تماما مع السياسة الاسرائيلية. فالعرب ـ أو قل بعض العرب ـ يأخذون على أوروبا انها تعزف عن ترجمة موقفها النظري هذا الى فعل ديناميكي. إن أوروبا لو قامت بهذا الفعل الديناميكي فإنها سوف تجد نفسها حتماً في موقف صدام رأسي مع الولايات المتحدة (وبطبيعة الحال مع اسرائيل ايضاً). وهنا على العرب ان يسألوا أنفسهم: كيف تعرض دول أوروبا مصالحها الحيوية الى خطر بركوب مصادمة رأسية مع الدولة العظمى الامريكية بينما تحرص الدول العربية نفسها على تفادي مصادمة مماثلة مع أمريكا؟ كيف يتوقع العرب ان تكون أوروبا ملكية أكثر من الملك، وكاثوليكية أكثر من البابا، بينما هم أصحاب القضية بالأصالة يجفلون عن أي قول أو فعل يمكن أن يجر عليهم غضب واشنطن؟ إن الأجدر بالعرب ان يحرروا أنفسهم أولاً من الارادة الأمريكية، ولو فعلوا ذلك فإنهم يؤهلون أنفسهم للدخول في تحالف استراتيجي مع أوروبا للتعامل المشترك ازاء الولايات المتحدة على أساس التكافؤ.