كانت الشمس ساطعة.. أو تبدو ساطعة.. مغرية أو تبدو مغرية.. كانت مثل برتقالة ذهبية. لامعة.. خالية من الغبار. لكنها في الوقت نفسه جافة من عصير الدفء.. مجرد خيوط من اللون الأصفر في لوحة رمادية، صامتة تغطي مدينة واشنطن الضبابية الشاحبة في نهاية الشتاء.. فلا هي قادرة على مواجهة البرد القارس. ولا هي قادرة على رفع درجة الحرارة التي انهارت إلى تحت الصفر شرطة واحدة. صورة خارجية جميلة لكنها في أعماقها لا تخلو من الوحشة والبرودة.. صورة مثيرة للسخرية لكنها مغطاة بصقيع يصعب تحمله. وربما عبرت هذه اللوحة بشمسها المرسومة في السماء ووحشتها الخفية في الأعماق أصدق تعبير عن الأمريكيين بعد 6 شهور بالضبط من صاعقة يوم القيامة التي فاجأتهم يوم 11 سبتمبر.. فهم في حياتهم اليومية قد عادوا إلى سيرتهم القديمة.. يلهثون وراء لقمة العيش جريا في الشوارع وقد وضعوا في أيديهم أكواب القهوة.. أو كعكة (الدونتس) الشهيرة. ويعبرون علامات المرور في جدية الجنود الذاهبين إلى القتال. ويلتقطون حاجتهم الليلية من الأسواق المفتوحة بنفس الحماس والحيوية.. ولا مانع من تناول كأسا في بار أو قطعة لحم (ستيك) في مطعم أو سماع نكتة في تليفون.. أو مشاهدة ما تبقى من حكاية (مونيكا وكلينتون) عبر التلفزيون.. لكن رغم ذلك كله فإن شيئاً ما في نفوسهم وفي قلوبهم أصابه الشرخ ولم يهدأ من الرعشة وراح جاهدا يلملم ما تبعثر منه. لم تعد في حاجة إلى أن تحجز مسبقا للعشاء في مطعم يومي السبت والأحد.. فالناس هنا أصبحوا يفضلون البقاء في بيوتهم.. وتناول الطعام مع اسرهم. وكأنهم يخشون أن يتكرر ما جرى بصورة أو بأخرى دون أن يكونوا معا. فإن نموت مع من نحب أفضل من أن نعيش بدونهم.. ورغم أن مراكز التسوق تكاد تعلن انها في حالة (أوكازيون) دائم وأن تخفيضاتها المتتالية والكبيرة في الأسعار لا مثيل له فإنها فارغة تماما من الزبائن.. ويسيطر عليها كساد لم تشهد مثله من قبل. ويمكنك أن تكون الزبون الوحيد في محل ثياب شهير مثل (ميسي) يعرض في أجنحته وأدواره المختلفة أكثر من 300 ألف قطعة من سلع متنوعة.. مستوردة من كافة أنحاء الدنيا.. ولو مشيت في أشهر مراكز التسوق في واشنطن مثل (تايسون) و( البنتاجون) فإنك لن تجد سوى القليل من البشر وأغلبهم غرباء وأجانب. وفي هذه الأماكن أيضا تبدو المطاعم الرخيصة على طريقة (ماكدونالز) و( كنتاكي فريدتشكن) وكأن الناس قد هجرتها.. فلا زحام.. ولا طوابير. ولا صخب. ولم تعد تجد في الحدائق العامة تلك الأسر التي جاءت تسترخى في الهواء الطلق.. إن شيئا ليس سهلا في نفوس الأمريكيين شرخ. ولا أقول انكسر.. شيئا ثقيلا يحملونه في كل مكان. بما في ذلك غرف نومهم. وغرف حماماتهم. وبمجرد أن تهبط مطارا أمريكيا حتى تجده تحت الحراسة العسكرية.. جنود يرتدون ملابسهم المبرقشة ويحملون اسلحة سريعة الطلقات. ويتجولون بين المسافرين وكأنك في مطار دولة أفريقية أو دولة أمريكية اللاتينية.. بينما انتشر عشرات من المخبرين السريين يحملون أجهزة خاصة تكبر أصوات البشر وترصد همساتهم.. ويندر أن يفلت راكب يمر من أجهزة كشف الأسلحة من طلب خلع حذائه.. بعد أن دس راكب سكينا في كعب حذائه. وتنزع أجهزة الكمبيوتر الشخصية من الحقائب وتمر عبر الأجهزة بمفردها وبعد ذلك يطلب فتحها بمعرفة أصحابها.. وقبل أن يهبط الركاب المطارات الأمريكية.. بل قبل أن يركبوا أي طائرة ستهبط في مطار أمريكي تقوم شركة الطيران بتقديم أسماء الركاب الذين على متنها إلى أجهزة الأمن لفحص ملفات اصحابها مسبقا قبل هبوطهم.. وقد اعترضت شركة مصر للطيران على هذا الإجراء ثم وافقت عليه.. ورغم أن إجراءات الأمن تبدو صارمة فإن ذلك لم يحرم المتعاملين معها من ابتسامة مشجعة أو معاملة طيبة.. فالأمن الحقيقي هو الذي لا تشعر بوجوده. ولو كان شر البلية ما يضحك فإن ما جرى في مطار واشنطن وأنا أغادره كان دليلا صارخا على هذا المثل الشعبي المصري الشهير.. كان الراكب الإنجليزي ممتلئا وغير قادر على الحركة بسهولة. وعندما طلبوا منه أن يمر عبر جهاز كشف الأسلحة كان هناك صفير حاد.. فعاد الرجل ليخلع ساعته وحزامه ويخرج ما في جيوبه.. لكن الجهاز اللعين لم يكف عن الصفير.. فطلبوا منه أن يخلع سترته ففعل دون جدوى.. فكان أن طلبوا منه أن يخلع بنطلونه.. ليبقى بملابسه الداخلية ففعل. ولكن.. دون فائدة.. ولم يجد الرجل مفرا من أن يكشف عن جهاز معدني صناعي زرعه في منطقة حساسة في جسمه ليعوض بها عجزه الجنسي. وفي معهد دراسات الشرق الأوسط قالت باحثة شابة دعتني على فنجان قهوة في بهو فندق (ريتز) قبل أن يبدأ الحوار بين خبراء وضيوف المركز - مع خبراء وضيوف مؤسسة بحثية أخرى هي (مجلس استشاري العلاقات الخارجية - وبين الرئيس حسني مبارك ضمن وقائع زيارته الأخيرة لواشنطن: (إن ميراث الإحساس بالأمان الذي ورثناه منذ أن خلق الله بلادنا قد بدد في ثلث ساعة. ربما لم تتخلص من ملامح وأعراض الغطرسة الخارجية.. لكن القلب ثقيل.. والخواف سلطان جديد.. جريء.. مقتحم..حرمنا من النوم بلا أقراص مهدئة.. ثم أخرجت من حقيبتها سيجارة أشعلتها سحبت منها نفسا عميقا وأضافت: (لقد تعلمت التدخين بعدما جرى.. غيري لجأ إلى المخدرات.. وقد كنت أعد نفسي للتخصص في الأبحاث والدراسات الصينية.. الصين هي الغول القادم.. لكن.. وجدت نفسي أغير إتجاهي وأتخصص في دراسات الشرق الاوسط. لقد كانت دراسات الشرق الأوسط موضة بعد حرب أكتوبر (عام 1973) وصلت لذروتها بعد زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس (عام 1977 ).. ثم راح المنحنى يهبط وينزلق وينهار بعد أن تعقد الصراع العربي الإسرائيلي ليصل إلى ما هو عليه الآن. لكن.. بعد صاعقة أحداث سبتمبر عاد الناس تتساءل عن العرب والإسلام والجهاد والحجاب والنقاب وموت المسلمين في سبيل الله وقفز الشرق مرة أخرى للصدارة. في ظهر الفندق الذي كنت أنزل فيه في واشنطن..فندق (ويلارد إنترنكونتتنال) الذي يوصف بفندق الرؤساء وتحمل أجنحته أسماء رؤوساء أمريكا وكان ينزل فيه رجال الرئيس مبارك من أعضاء الوفد الرسمي في الزيارة ورؤساء التحرير - توجد مكتبة تصل إليها بمجرد عبور الشارع.. وقد كنت أتردد عليها يوميا. مفضلا تناول القهوة فيها عن تناولها في مطعم الفندق وقد رصدت فيها نحو 70 كتابا جديدا عن الإسلام والجهاد وطالبان وأسامة بن لادن.. صدر أغلبها في أقل من 6 شهور.. إن الأمريكيين الذين كفوا عن استهلاك اللحم والبيتزا والملابس اندفعوا يقرؤون.. وربما كانت مكتبات بيع الكتب أكثر الأماكن ازدحاما وإقبالا.. وهذه هي طبيعة مجتمع متحرك.. غير متجمد.. قادر على تصحيح أخطائه.ومعالجة عيوبه.. دون أن يبكي أو يلطم أو يشق ملابسه. لقد ارتفع معدل القراءة عن الإسلام والجهاد بصورة مذهلة..وفي قائمة الكتب الأكثر مبيعا هناك كتاب بيتر بيرجن: (الحرب المقدسة في الشرق الأوسط ).. وكتاب يوسف بودنسكي: (ابن لادن الرجل الذي قاد الحرب ضد أمريكا ).. وكتاب (ادم روبنسون) ابن لادن خلف قناع الإرهاب ).. وكتاب جوديث ميلر: (لله 99 اسما) وكتاب جوناثان بلوم وشيلا بلير: (الإسلام: مئات السنين: ما الذي حدث ؟» وكتاب أنتوني ليك مستشار الرئيس كلينتون للأمن القومي وأشطر تلاميذ هنري كيسنجر: (6 كوابيس تهدد أمريكا ).. وكتاب باتريك بوشمان: (الموت للغرب) الذي يحذر فيه من نهاية الغرب على يد المهاجرين والمسلمين.. وهناك ترجمة قدمتها مؤسسة بنجوين البريطانية الشهيرة للقرآن ولمعانيه. وهناك سلسلة تعرف بعنوان دليل الغنى.. تقدم أبسط المعلومات لأقل الناس اهتماما في كل شيء.. في الجنس والمال والسفر والمذاكرة والبحث عن وظيفة.. وآخر ما صدر عن هذه السلسلة كان عن الإسلام.. دليل الغبي إلى فهم الإسلام.. وقدمت مجلة (ناشيونال جيوجرفيك) كتابا مصورا مميزا عن (عالم الإسلام ). ولابد أن نقرأ هذه الكتب ونستوعبها ونترجمها ونتعرف على خباياها.. فهي التي صاغت وجدان وضمير الشعب الأمريكي في تلك الأيام الصعبة والحرجة التي يعيشها..وهي ليست مفيدة فقط في الدفاع عن الإسلام ضد منتقديه.. ولكنها أيضا هي التي ترسم الخطط العسكرية والسياسية التي تتحول في النهاية إلى قنابل ومعارك وضحايا بلا ذنب.. إن صانع القرار الأمريكي في البيت الأبيض والبنتاجون يحول ما في هذه الكتب من أفكار إلى عمليات غزو وتصرفات سياسية ربما تكون من وجهة نظرنا حمقاء.. لكنها من وجهة نظرهم عادلة وطبيعية وضرورية. لقد عاد الحديث عن الإسلام المقاتل والإسلام العدواني والإسلام المسلح والجهاد والاستشهاد والقتال في سبيل الله.. عاد الحديث صاخبا صارخا محرضا معاديا هذه المرة.. عاد ليكون غطاء سياسيا للعمليات العسكرية التي بدأت ضد من أطلق عليهم الرئيس جورج بوش: (الأشرار).. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يتناولون فيها الإسلام على هذا النحو.. وأتصور أنها لن تكون المرة الأخيرة. كانت هناك مرة أولى بعد الثورة الإيرانية واحتلال السفارة الأمريكية في طهران وأخذ دبلوماسيين ورعايا أمريكيين فيها رهائن لمدة 444 يوما. وكانت هناك مرة ثانية بعد الحرب الطائفية في لبنان وتفجير موقع لمشاة البحرية الأمريكية في بيروت أدى إلى سقوط عشرات الضحايا. وكانت هناك عناصر منشطة للاهتمام في تلك الأيام منها الحرب العراقية الإيرانية. ورفض السعودية ـ ركوب قطار الصلح الإسرائيلي الذي بدأ محطته الأولى في كامب ديفيد وكان أول ركابه أنور السادات. وكانت هناك مرة ثالثة بعد حرب تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي وهي الحرب التي أدارتها المخابرات الأمريكية ومولتها الدول النفطية العربية وسلحتها الحكومة المصرية.. أما جنودها فكانوا 50 ألف ممن وصفوا بالمجاهدين الشبان والذين جاءوا من كافة أنحاء العالم العربي.. ثم كانت أن انتهت الحرب ليعود هؤلاء المجاهدين وقد تسلحوا وتدربوا على مستوى راق من العنف ليبحثوا عن أهداف أخرى لهم. وكان ما كان في مصر وتونس والجزائر واليمن والسودان والسعودية.. ثم كان ما كان في الولايات المتحدة نفسها.. حيث قبضت المباحث الفيدرالية الأمريكية في شهر يونيو 1993 على شبكة من شبكات الجهاد قبل أن تقوم بعمليتها الكبرى في نيويورك.. وفي قائمة الاتهامات التي وجهت إلى أعضاء هذه الشبكة التي كان ابرز ما فيها مفتى تنظيم الجهاد الشيخ عمر عبد الرحمن: التخطيط لاغتيال الدكتور بطرس غالي.. والرئيس حسني مبارك.. وبعض النواب المتعصبين لليهود مثل دوج هايكان.. وفي قائمة الاتهامات أيضا أنهم خططوا لتفجير مبنى الأمم المتحدة.. وكان اسمه في شفرتهم (البيت الكبير ).. وتفجير مقر المباحث الفيدرالية في جنوب مانهاتن.. أو (المركز حسب شفرتهم وتفجير نفقي لنكولن وهولاند اللذين يصلان نيويورك بولاية نيوجرسي وطولهما معا 4 أميال وهما يمران تحت نهر هدسون وتمر بهما 200 ألف سيارة يوميا. أما هذه المرة فالاهتمام لا حد له.. اهتمام ضاغط.. ملح.. فيه الشعور بأنه مسألة حياة أو موت.. فما جرى في سبتمبر كان أكبر من أن يستوعبه الأمريكيون ويفهمونه ويتجاوزونه.. وهم قد تعودوا أن يبحثوا عن عفاريت يخافون منها. كائنات مجهولة قادمة من الفضاء.. ديناصورات استيقظت من أعماق. أعماق التاريخ. مخلوقات مصنوعة في المعامل تحولت إلى وحوش خرافية.. لكن هذه العفاريت هي في النهاية صور ملونة مرعبة على شاشة السينما كانت تشعرهم بقليل من الخوف الذي يفتقدونه بسبب شعورهم المفرط بالأمن والحماية الطبيعية والأمنية والعسكرية.وكان هذا النوع لذيذا.. ممتعا.. شهيا. فهو يبدد الملل والرتابة.. ويضفي على الحياة إثارة مطلوبة.. لكن.. عندما جاء الخوف.. الخوف. وجربوا الرعب.. الرعب.. ضاقت الدنيا في عيونهم. وعرفوا أن هناك بشرا يستحقون الاهتمام والإنتباه غيرهم. فلا هم سقف الدنيا.. ولا هم وحدهم على الأرض. وأخطر ما توصلوا إليه.. إن لا شيء يحمي الكبار.. لا الأسلحة النووية.. ولا الصواريخ الدفاعية. ولا أجهزة المخابرات المركزية. ولا قواعد الأمن التقليدية.. إنه كعب أخيل.. الذي غمست الآلهة جسده في ماء الحماية فحصنته من الخطر.. لكن بقى كعبه الذي أمسكوه به بعيدا عن الماء المقدس. بقي نقطة ضعفه.. وفرصة مقتلة..إن هذه الأسطورة أصبحت درسا أمريكيا مكررا. ويمكنك أن تسمع من كل أمريكي تقابله صدفة أو تعرفه من قبل.. أن هناك ثغرة سينفذون لنا منها.. ونحن لا نعرفها.. وهم سيكررون ما فعلوا..ويجب أن نحاربهم.. لكننا لا نعرف من هم بالتحديد.. ولا نعرف كيف سيحاربوننا في المرات القادمة.. إنها حرب مجنونة.. سوف تدفعنا جميعا للنوم في مصحات الأمراض العقلية. لذلك.. يكفي أن تنشر الصحف أن هناك من وضع سكينا في حذائه حتى يخلع الناس جميعا أحذيتهم.. ورغم تكذيب تلك الرواية بصورة قاطعة فإن دخول الناس حفاة عبر بوابات المطارات لا تزال مستمرة.. ويكفي أن تنشر الصحف أن هناك أوراقا عثرت عليها المباحث الفيدرالية تؤكد أن المتطرفين والإرهابيين سيعلنون الجهاد في سبيل الله من البيت الأبيض والكونجرس ومجلس الأمن حتى توضع كل مكبرات الصوت هذه الأماكن تحت الرقابة الصارمة.. إنها ليست نكتة.. فمن حرقته سخونة الحساء راح ينفخ في كوب العصير المثلج. ـ كاتب وصحفي مصري