هناك الكثير من القضايا التي تتفاعل فوق سطح المجتمع وتعاني منها شرائح وفئات اجتماعية عديدة، قضايا خلقتها ظروف مختلفة، وكرستها عوامل كثيرة، وتحتاج منا جميعا أن نعيها وأن نتحدث حولها، وأن نطرح الحلول الملائمة لها لأن هذه القضايا التي يضيق الناس بها ويتحدثون عنها بكثير من الاحتجاج والضيق قد تتحول إلى اشكاليات اجتماعية صعبة وقد تقود إلى ظواهر نحن في غنى عنها. وبالصدفة البحتة، كنت أطالع بكثير من الاهتمام نصوص اتفاقية «حقوق الطفل» التي وقعتها أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة انطلاقا من مبادئ واتفاقيات حقوق الإنسان، وهي اتفاقية جديرة بالدراسة والمناقشة على صعيد اعلامي كبير، واضافة لهذه المطالعة، تابعت برنامج «سيكلوجيا» الذي يقدمه تلفزيون دبي ظهر يوم الخميس، وقد كانت حلقته الأخيرة حول الأم وحقوقها، فتضافرت الاتفاقية والبرنامج على فتح ملف مهم جدا دفعني لطرحه اليوم وهو موضوع الضمان الاجتماعي للمرأة وللأم تحديدا. ولقد مس البرنامج الذي استضاف في حلقته ظهر الخميس الماضي السيد (محمد العبار) والاعلامية (اقبال بركة) موضوع هذا الضمان، ولكن ليس بالشكل الكافي والموسع والمطلوب ربما لان موضوع الحلقة لم يكن مكرسا لهذه القضية التي نرى بأنها تستحق من البرنامج ومن الاعلام بشكل عام المزيد من الاهتمام والتركيز. فالمرأة والأم تحديدا، عندما تمضي أيام عمرها في تربية أجيال المجتمع، وتقدمهم للوطن ليخدموه وليتفانوا في سبيله، فإن هذه الأم تستحق تكريما عالي المستوى يرتفع ويتجاوز التمجيد العاطفي الى التكريم والحصانة والاحتفاء بكل أشكالها العملية والقانونية، بمعنى ان هذه الأم، وهذه المرأة عندما تتجاوز الخمسين أو الستين من عمرها، فإنها تحتاج الى ضمان اجتماعي يكفله لها المجتمع وقوانين الدولة من جميع النواحي: الصحية والاجتماعية ومن حيث السكن والمواصلات، كما تحتاج وبقوة الى حماية كرامتها باعتبارها وبحق المواطن رقم واحد في هذا المجتمع نظرا لدورها العظيم الذي لا يقارن بأي دور. من هنا فإننا ننظر بشيء من الاستياء لقيمة الضمان المعيشي الذي تقدمه (وزارة العمل والشئون الاجتماعية) للمرأة المطلقة أو الأرملة والذي لا يتناسب على الاطلاق مع الاحتياجات الحقيقية ومع امكانيات الدولة المادية، قياسا بما تتقاضاه المرأة في دولة مثل الدانمارك مثلا من وزارة الضمان الاجتماعي فهي هناك تتقاضى بما يعادل (5000 درهم شهريا) بينما المخصص المادي لدينا أقل من ذلك بكثير. وننظر باستياء الى ذلك الاجراء المهين حقا والذي تطالب به وزارة (الشئون الاجتماعية) النساء دوريا، والمتعلق باثبات حالتها الاجتماعية وبأنها لم تتزوج، والأمر يطبق أحيانا على نساء كبيرات في السن، يشكل هذا التردد على المحاكم من أجل هذا الاثبات اهانة حقيقية لهن، اضافة للمشاق والمتاعب المترتبة عليه. بينما تستطيع الوزارة وعن طريق طاقم عمل معين متابعة الحالات وتطوراتها بشكل اكثر تحضراً وصوناً لكرامة السيدات الكبار في السن. وننظر الى جهود البلدية والصحة والتعليم والشئون الاسلامية والاشغال و... الخ على نطاق كل حي، فنجد المكتبة والمدرسة والمركز الصحي والمسجد والطرق المعبدة وخدمات الصرف الصحي و.. الخ، لكننا لا نجد ناديا او مركزا صغيرا انيقا مجهزا لاستقبال الامهات الكبيرات اللواتي يقضين الوقت وحيدات في المنزل بين مطرقة الوحدة وسندان الملل والحزن وتكاثر الهموم، وربما لو تبنت وزارة الشئون مراكز كهذه (بعيداً عن دور المسنين) في كل حي لأدخلت نوعاً كبيراً من التغيير على حياة النساء ولقدمت اليهن خدمة اجتماعية نفسية هن في أمس الحاجة اليها. وننظر للضمان الصحي للموظف، وعيننا على الامهات الكبيرات في السن اللواتي يحتجن لهذا الضمان نظرا لاوضاعهن الصحية المتدهورة، ونتساءل ايضا عن حق المسكن الذي يشكل صونا لكرامة الام ـ المرأة في أواخر حياتها حتى لا تكون مضطرة للتأرجح القاتل بين بيت الابنة وبيت الابن. تحتاج المرأة الأم لاوضاع خاصة ولدراسة متأنية تكفل حقوقها كما كفلت حقوق الطفل والعامل و.. خاصة ونحن في دولة نثق في حكمة قيادتها وتطلعهم الدائم من اجل خير الانسان وصون حقوقه وكرامته.