بقدر ما كانت محاضرة د. نبيل علي، وهو أحد الخبراء العرب الذين يعملون منذ سنوات على تطويع آلة الكمبيوتر لتقبل الامكانات الجبارة والهائلة للغة العربية، تشير إلى الفجوات التي يعاني منها العالم العربي والتي تعيق وجوده على الخارطة العالمية لتبادل المعلوماتية، وتشير إلى دور المثقف التقني الذي تتطلبه المرحلة، إلا انها أيضا كانت تشير إلى واقع مرير حول غياب مراكز البحث والدراسة العربية التي يتوجب أن تعنى بمعالجة المحتوى الثقافي العربي وايجاده كمادة، وكسلعة مطلوبة في سوق المعلومات. هذه الاشارة وحدها تكشف الطريق الذي نسير فيه في مقابل ثورة معلوماتية نستقبلها فقط ولا نرسل في مقابلها أي شيء يذكر، وهذا في حد ذاته يكشف أيضا اختلال الميزان الذي نعانيه وقد نعانيه في السنوات المقبلة، على الرغم من ان عصر التقنية الذي تصبح فيه المعلوماتية سلعة تدر المال، ومنتجا يصدر الهوية والثقافة والوجود أيضا لا ينتظر أحدا ولا يهدأ ولا يستريح، بل هو في حالة فوران وانتاج مستمر ودائم للجديد من المعلومات. عرض الدكتور نبيل في محاضرته بندوة الثقافة والعلوم حقائق موثقة بالأرقام والبينات المخيفة عن واقع تكنولوجيا الاتصال العربية، واقع يكشف مزيدا من التخلف عن الركب، ومزيدا من المعاناة المقبلة، فحيث اننا نبتهج ان هناك ملايين المشتركين في خطوط الانترنت من العرب، إلا ان هذا الابتهاج يندحر مع معلومة بسيطة هي ان كل هؤلاء العرب لا يستطيعون الوصول الى المعلومة القيمة عبر شبكة الاتصال. حيث ما زالت مراكز البحوث العربية غير قادرة على أرشفة كنوزها الابداعية أرشفة الكترونية وحيث ان هذه المراكز الغائبة الحاضرة مازالت تعمل في اطار ألف باء تكنولوجيا المعلومات التي بدأت على الطرف الآخر تفرض وجودها وهويتها. وتكشف بيانات وجداول تلك المحاضرة التي بدأت في حقيقتها تكشف أيضا نوعا من الاحباط ان على العالم العربي أن يسير في مشوار المليون ميل لكي يتواجد على خارطة التبادل المعلوماتي العالمية من أجل تحقيق الثنائية التبادلية الأخذ والعطاء، بدءا من معضلة غياب الشعور بأهمية معالجة المحتوى الثقافي الذي يراد له جيشا من العاملين لا توفره ولا تصرف عليه الحكومات العربية شيئا يذكر في مقابل صرفها على رياضة كرة القدم مثلا أو محطات فضائية للرقص والغناء، ويراد له لكي يصل معامل بحث يكون المثقف هو اليد العاملة فيه لا مبرمجين مستوردين من الخارج. إن واقع بينات المحاضرة تشير الى فقر مخيف في مستوى التبادل الثقافي يضاف الى اشكاليات ترجمة الثقافة العربية الى اللغات الاخرى، ويضاف الى العزلة المضروبة على وصول الحضارة العربية وعيا وابداعا وفكرا. من يتصفح الشبكة يشعر بفقر وجوده الضئيل وهذه كارثة، فوجودنا وبيدنا كنوز من حضارة كبيرة ضاربة الجذور مخجل في خارطة التبادل المعلوماتي العالمي!! حتى هذه نخفق فيها!