في السينما كما في الحياة هناك عجائب تشبه الواقع، فالبنت الحلوة في الفيلم هي صاحبة البطولة المطلقة ولا يمكن ان يصيبها مكروه، كما ان الشاب الوسيم يستحق هذه البنت لذلك يسارع الى تخليصها من أيدي الاشرار ثم يتزوجها ويخرج الجمهور سعيدا بهذه النهاية الرائعة! لكن في السينما تبدو الصورة مغايرة للواقع فالبنت الحلوة تسير في السنتر ولا توجد عصابة تراقبها كما لا يوجد شاب وسيم في الجوار، وانما هناك ثلة من العيون البصاصة والنهمة التي تطمح الى دور البطولة في هذا الفيلم ولنفترض عنوانه «فتاة السناتر»، والسناتر جمع سنتر في الدارج محليا وليس سنترات وهو جمع جديد يشغل بال مجامع اللغة العربية كما هو الحال مع جمع سيارة «سياير» وهذا ليس بيت المعنى، لأن الفيلم قيد التصوير، والبطولة ليست مهمة لأن اي وسيم يسير الهوينا في السنتر يمكن ان يكون بطلا، واي فتاة مرصوصة الثياب، ممشوقة القد يمكن ان تكون بطلة، أما الكومبارس فهم مجموعة البصاصين الذين يجلسون في الكافتيريات ويتبادلون «المس كول» او يشربون الكابتشينو او يمزمزون الآيس كريم، فيصبح المشهد طبيعيا وواقعيا على طريقة فيدريكو فلليني المخرج الايطالي المشهور، ولان الحلوات كثيرات والوسيمين كثيرون والكومبارس بالعشرات، فانه يمكن تصوير أكثر من فيلم في الوقت ذاته وستجد في هذه الحالة فريقا من العتالين يحملون اجهزة سوداء وصناديق فضية وكابلات كهربائية يفرشونها طولا وعرضا ويبدأون الاكشن وهم يلكزون من حولهم من الابرياء امثال كاتب هذه الزاوية وقارئها حيث يقول لهما اسيوي بلهجة الفيروزبادي «سير جدام بابا.. في تصوير مال تي في» ولن تعرف اي «تي في» يقصد لان الـ «تي فيات» كثيرة وجميعها تريد الفوز بقصب السبق، وعليه سيتجمهر الكومبارس حول فتاة رطناء لدغاء «يعني لديها رطانة بالحديث وتلدغ بحرف الراء» والاصح لغة ان نقول انها تلثغ ولكن حتى يبدو المشاهد واقعيا نستخدم ما هو دارج بين الناس، المهم ستسألهم سليلة الحسب والنسب من هو القائل: أمغ أميغ الامغاء بحفغ بئغ بالصحغاء؟ وتقصد «أمر أمير الأمراء بحفر بئر في الصحراء» فيسارع توم كروز محلي إلى القول: كاظم الساهر، فتصرخ السندريلا اللثغاء: مظبوط فزت معنا بجائزة العين الذهبية في مشاهدة تي في شانال مقدمة من جي أم، جي تو للعيون البصاصة، مبروك عليك واليكم الآن اغنية «لما بمشي في السنتر» للمطرب الكبير زلزال زلزالي. ولن يختلف الامر كثيرا في موقع تصوير آخر سوى اختلاف لون الميكروفون الذي تحمله رطناء اخرى من نفس الفئة وبذات المواصفات مرصوصة وممشوقة وتقلب القاف كافاً والطاء تاء والصاد سينا، واللغة العربية الى شوربة من الفاست فود بخلطة سرية لا أحد يعرفها سوى بطلات فيلم «فتاة السناتر». والامور في الواقع هي خيال مأمول لذلك يقبل الناس على مشاهدة هذا الفيلم كل يوم لانه يغذي المشاعر بأوهام كاذبة ويصرف الحليم عن شئون حياته فينسى فواتير النقال والماء والكهرباء والسوبر ماركت ورد الدين ويعصر ذهنه محاولا ان يتذكر اسم الشاعر الذي قال: الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الاعراق ليفوز بجائزة الابن المثالي التي تقدمها محلات «الام الحنون في خدمة الفنون» فلا يفلح لان وسيماً في ركن قصي يصرخ في الميكروفون: الشاعر هو شعبان سي. إن. إن، فيرد عليه الجمهور «برافو يا بطل» ويفوز الوسيم ببطولة الفيلم الذي يعرض هذا المساء وكل مساء. مبروك ابنك البار يا أمي.